فحص البروستاتا.. في جميع مراحل العمر

مناقشات علمية حول أهمية اختبار للكشف عن السرطان فيها

نيويورك: جينا كولاتا*
متى يكون الرجال قد وصلوا إلى السن التي لا يمكنهم فيها إجراء فحص البروستاتا؟ كان السؤال مثار بحث، دون إجابة شافية عنه. بيد أن هذا التساؤل عاد إلى ساحة النقاش مرة أخرى مجددا في سياق دراسة جديدة مثيرة حول اختبار «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا» (P.S.A) للكشف عن أي إصابة بسرطان البروستاتا في مجلة «كلينيكال أونكولوجي» المعنية بعلم الأورام الإكلينيكي، التي كشفت عن أن الرجال في سن السبعين يخضعون لضعف معدل فحوصات التي يخضع لها الرجال في سن الخمسين – وأن الرجال من سن 80 إلى 85 يخضعون لفحوصات بنفس معدل هؤلاء الأصغر منهم بثلاثين عاما.وقال قائد الفريق الذي أجرى الدراسة، الدكتور سكوت إي إجينر، اختصاصي المسالك البولية بجامعة شيكاغو إن «هذا أمر مثير للحيرة. ما كنا نأمله هو أن يتم فحص الشباب الأصحاء، الذين كان هناك احتمال أكبر لأن يستفيدوا من الفحص، بمعدلات أعلى، وأن يقل معدل الفحص بالنسبة للرجال الأكبر سنا».* ضرورات الفحص ولا يشجع كل من جمعية السرطان الأميركية وجمعية المسالك البولية الأميركية إجراء فحص على الرجال الذين لا يزيد العمر المتوقع المتبقي لهم على 10 سنوات، فالخلايا السرطانية تنمو ببطء شديد، إلى حد أن الأمر قد يستغرق وقتا طويلا حتى يجدي الفحص نفعا.وقد خلصت اللجنة الأميركية للخدمات الوقائية أخيرا إلى أن الفحص يجب أن يتوقف عند سن الخامسة والسبعين. وقالت الدكتورة ماري بارتون، المديرة العلمية للجنة: «ليس مجرد الافتقار للبيانات» هو ما أدى إلى تلك النتيجة.. وتشير البيانات التي نملكها لهذه المجموعة إلى أن الموقف سيئ تماما.ولكن، على الرغم من أن الرجال في سن الثمانين أكثر عرضة ممن هم في سن الخمسين للإصابة بالأمراض المزمنة ولأن يكون متوسط عمرهم محدودا، فيجب ألا يكون العمر هو العامل المحدد، وذلك حسبما أشار الدكتور إجينر. وقال: «الحالة الصحية ومتوسط العمر هما الأكثر أهمية بكثير». وأضاف: «هناك رجال في سن الخمسين لا يجب أن يخضعوا للفحص ورجال في سن السبعين ربما يستفيدوا من إجرائه».ولم تتضمن الدراسة الجديدة سوى بيانات تم جمعها خلال عام 2005، وهي أحدث سنة توفرت فيها هذه البيانات، ولكن، وفقا لما قاله الدكتور دورادو بروكس، مدير أبحاث سرطان البروستاتا والمستقيم بجمعية السرطان الأميركية، فإنه «لا يوجد أي سبب يدعو للاعتقاد بأن النتائج قد تغيرت بشكل مؤثر في عام 2005». وذكر الأطباء أن ثمة أسبابا عدة تدعو إلى استمرار إجراء فحص البروستاتا للرجال في أي سن. وتتنوع هذه الأسباب ما بين احتياجات المرضى إلى مخاوف من إساءة التصرف من جانب الأطباء لدوافعهم المالية ولعدم فهمهم لمخاطر وفوائد فحص البروستاتا.* مؤيدون ومعارضون وذكر الدكتور جيرالد إل أندريول، جراح المسالك البولية بجامعة واشنطن أن «هناك العديد من الضغوط. فالأمر لا يتعلق بكل البيانات النظرية المجردة التي تؤيد بشدة فكرة الفحص». ويجري الدكتور أندريول دراسة تابعة للمعهد الوطني للسرطان على 76 ألف رجل لم يجدوا فائدة من الفحص بعد 10 سنوات. وقد تراوحت أعمار هؤلاء الرجال ما بين 55 و74 عاما عندما بدأت الدراسة. ورغم كون فحص مولد مضادات الخاص بالبروستاتا مثار جدل في أي مرحلة عمرية فإن المؤيدين لفكرة الفحص يشيرون إلى أن دراسة معهد السرطان هذه كانت تتسم بالعيوب، إذ نوهوا بدراسة أوروبية أجريت على 162 ألف رجل تتراوح أعمارهم ما بين 55 و69 عاما، التي أظهرت انخفاضا بنسبة 20% في معدل الوفاة الناتجة عن الإصابة بسرطان البروستاتا مع إجراء الفحص.ويرى المعارضون لفحص البروستاتا أن الدراسة الأوروبية معيبة ويضيفون أن هناك سببا منطقيا أدى إلى صعوبة الاستفادة من إجراء الفحص. ويشيرون إلى أن سرطان البروستاتا يعتبر واحدا من أنواع مرض السرطان الشائعة، التي يتم اكتشافها عند معظم الرجال عند تشريح البروستاتا لديهم بعد الوفاة، مع أنهم عادة ما لا يكون لديهم أدنى فكرة مطلقا عن إصابتهم به. وربما يكون سرطان البروستاتا مميتا، ولكن خلاياه عادة ما تنمو ببطء شديد لدرجة أن الرجال يموتون وهم مصابون به، ولا تكون وفاتهم ناتجة عنه.وبالنسبة لمعظم الرجال، تتمثل مساوئ فحص البروستاتا فقط في أنه يتطلب استئصال أنسجة لفحصها والخضوع لعلاجات لها آثار جانبية غير مرغوب فيها. علاوة على ذلك، فحسبما يقولون، يحتمل ألا يساعد في علاج العديد من أنواع سرطان البروستاتا المميتة نظرا لأنه ربما تكون الخلايا السرطانية قد انتشرت خارج البروستاتا، إلى أعضاء أخرى من الجسم، قبل وقت طويل من إظهار اختبار «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا» PSA بوجود مشكلة محتملة.* مضاعفات الفحص* وعادة ما يترتب على إجراء اختبار «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا» استئصال أنسجة أو خلايا دقيقة لفحصها، وبعدها، إذا ثبت وجود إصابة بالسرطان، يتم اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتم علاجه أم لا. ومعظم الرجال يفضلون العلاج، الذي يشمل الخضوع لجراحة لاستئصال البروستاتا أو العلاج الإشعاعي للقضاء على السرطان.وتشمل الآثار الجانبية المحتملة الضعف الجنسي والسلس البولي. ويحتاج الرجال الأصغر سنا أيضا إلى تقدير أضرار فحص البروستاتا، كما تقول الدكتورة ليزا شوارتز، من مدرسة الطب في دارتموث: «يحتمل أيضا أن يواجهوا خطر فقدان حياتهم».ويتمثل أحد الأسباب وراء كون العلاج أكثر الخيارات شيوعا في أنه من الصعب تحديد ما إذا كانت حالة الإصابة بالسرطان مميتة أم لا. يستطيع أخصائيو علم الأمراض التمييز بين أنواع الإصابة بالسرطان التي تبدو شرسة وتلك الأنواع الأخف حدة، غير أن هناك احتمالا حقيقيا أنه حتى إذا كان النسيج الذي تم استئصاله وفحصه مجهريا قد اشتمل على خلايا سرطانية أقل شراسة، ربما تكون هناك خلايا أكثر شراسة مختبئة داخل البروستاتا.ولكن حتى مع هذه الحالة من عدم اليقين، يقول اختصاصيو سرطان البروستاتا إن معظم الرجال الذين تم علاجهم لم يكن من المنتظر أن توافيهم المنية جراء إصابتهم بسرطان البروستاتا وأن هذا ينطبق على وجه الخصوص على الرجال المسنين، ولا سيما من هم ضعيفو البنية ومتوسط عمرهم محدود. إلا أن تغيير الإجراء الطبي المتبع ربما يكون أمرا صعبا.ويقول الدكتور بروكس: «في أي وقت يترسخ فيه إجراء ما، يكون من الصعب محوه. فالقضاء على سلوك شاذ أصعب من انتهاج سلوك آخر جديد».وأشار الدكتور أندريول إلى أن فكرة عدم الفحص في حد ذاتها صعبة. وهو يقول إن «أصعب شيء في العالم ألا تبحث عن إصابة بمرض السرطان وألا تعالجها». ويضيف أن الأطباء لديهم العديد من الدوافع لإجراء فحص البروستاتا. فهم عادة ما يخشون أن يكون من المحتمل أن تتم مقاضاتهم إذا لم يجروا الفحص واكتشفت إصابة أحد الرجال بسرطان بروستاتا مميت. كما أن هناك حوافز مالية.وأضاف:«يحقق اختصاصيو المسالك البولية مكاسب من إيجاد وسائل لاستئصال خلايا أو أجزاء نسيجية دقيقة من البروستاتا عند الرجال وفحصها ووصف أشكال مختلفة من العلاج لهم». وأضاف قائلا: «يشجع إجراء فحوص البروستاتا، المستشفيات وميدان صحة المسالك البولية. كما يحتاج إليه كثير من المرضى».ويقول الدكتور بروكس إنه يسافر إلى مختلف أنحاء الدولة ويتحدث إلى أطباء رعاية أولية عن الفحص، وإنه يعلم أن هناك اعتقادات خاطئة حول فوائد الفحص. ويضيف: «إنهم عادة ما لا يقدرون الجوانب السلبية للفحص، كما لا يدركون أيضا احتمال تأخر الفائدة المحققة منه». وأشار إلى أن أطباء الرعاية الأولية غالبا ما «يبالغون في تقدير احتمالية أن يؤدي الاكتشاف المبكر للإصابة بسرطان البروستاتا إلى تحقيق الفائدة الممثلة في إنقاذ حياة المريض». وذكر أنه إلى جانب ذلك تأتي المدة التي تستغرقها مناقشة المؤيدين والمعارضين لفحص المرضى. فعادة ما يكون من الأسهل إعطاء أمر بإجراء الفحص.وأوضح أنه على نحو مثالي، يجب أن يضع الطبيب الصحة العامة للرجل في الاعتبار ولا يتقيد بالسن فقط في طلب إجراء فحص «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا». لكن إذا خضع رجل للفحص كل عام، ربما يصعب اقتراح أن يتوقف عن إجراء الفحص نظرا لأنه يحتمل ألا يعيش طويلا.رأي الرجال ويرى بعض الرجال أن تلك المحاذير لا تنطبق عليهم. وذكر جي ألين ويلر، البالغ من العمر 82 عاما ويعيش في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، أن آخر اختبار «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا» خضع له كان في يناير (كانون الثاني) الماضي. ويقول إن طبيبه طلب منه إجراء هذا الفحص بشكل دوري، مضيفا: «بكل صراحة، هذا جزء من العلاج. فطبيبه يجري الفحص فقط – هذا هو الفهم المشترك بيننا».وأشار ويلر، الذي يعتقد أن حالته الصحية «جيدة نسبيا» أنه لم يكن يتخيل أن يأتي الوقت الذي يتوقف فيه عن الخضوع لهذا الفحص. فهو يقول إنه دائما سيرغب في التحقق مما إذا كان مصابا بالسرطان أم لا، مع أنه ربما يقرر ألا يخضع للعلاج.وذكر رجل من ولاية كونكتيكت عمره 75 عاما أنه قد خضع للفحص لأنه كان سليما ورغب أن يبقى على تلك الحال. وأضاف، طالبا عدم ذكر اسمه لحماية خصوصيته: «أعتقد أنني سأحيا حتى سن 100 عام». وكشف رجل آخر أن فحص «مولد المضادات الخاص بالبروستاتا» أجري له عند إصابته بسرطان بسيط، ولم يرغب في استغلال فرصة أنه يحتمل أن ينمو ببطء ويعرضه لمشكلات صحية». ويقول: «أفكر بجدية في استئصال البروستاتا تماما.* خدمة «نيويورك تايمز»