هيئة ” صناعة الأدوية ” جسر نقل التكنولوجيا الحديثة .. وتطوير براءات الاختراع .. وتنمية القدرات التنافسية

تعتبر صناعة الدواء واحدة من أقدم الصناعات التي تتميز بها الحضارة الفرعونية القديمة والتي كان لأجدادنا من الفراعنة دور كبير في ابتكارها وتطويرها بصورة كبيرة جدا منذ نحو 3 آلاف عام قبل الميلاد ومن ثمة فإننا أصحاب ريادة وتاريخ حافل في مجال الطب والصيدلة منذ القدماء المصريين.
ولكن للأسف مع تزايد الطلب على الدواء ، بسبب تزايد الأمراض لدى المصريين ، باتت صناعة الدواء ، التي يتجاوز حجم الطلب عليها نحو الـ 50 مليار جنيه سنويا ، تعاني العديد من التحديات على مر تاريخها وأهمها توافر وسعر صرف العملات الأجنبية مقارنة بالجنيه حيث لا نزال نستورد غالبية المواد الخام، وتحكم شركات عالمية في تكنولوجياتها مع ضعف حجم وموازنة البحث العلمي، وكذلك ثبات أسعار الأدوية على مدى سنوات طويلة رغم ارتفاع عناصر التكلفة مما تسبب في تكبد الشركات خسائر سواء على مستوى السوق المصرية أو على التصدير نظراً لارتباط أسعار التصدير بدولة المنشأ .. ناهيك عن طول إجراءات تسجيل الأدوية التي تصل إلى نحو ٥ سنوات، مطالبًا وزارة الصحة بتقليص مدة تسجيلها إلى عام واحد، وهو ما يساعد في توفير الأدوية بأسرع ما يمكن، وبأسعار تناسب جميع الفئات.

ورغم تزايد عدد مصانع إنتاج الأدوية من 5 مصانع عام 1960 ، اثنان منها وطنيان هما شركة ” مصر للمستحضرات الدوائية ” وشركة “ممفيس ” وثلاث شركات عالمية هي ” شركة فايزر وشركة هوكست الشرقية (افينتس) وشركة سويس فارما ” نوفارتس ” إلى أن تجاوزت حاليا أكثر 154 مصنعا الغالبية العظمى منها مصانع محلية لشركات قطاع الأعمال والاستثمار المحلي و8 لشركات أجنبية عالمية، بالإضافة إلى ما يقرب من 60 مصنعًا تحت الإنشاء وتنتج هذه المصانع 4491 مستحضرا دوائيا بإجمالي 7616 من الأشكال الصيدلية ويعمل بهذه المصانع، بالإضافة إلى الخدمات المرتبطة بالدواء أكثر من ربع مليون عامل وفني وصيدلي وكيميائي ومدير.

وتشير تقارير الشعبة العامة للأدوية التابعة لاتحاد الغرف التجارية إلى الشركات العالمية العاملة في مصر تساهم بما قيمته 65% من إجمالي قيمة سوق الدواء في مصر وذلك من خلال الإنتاج المباشر في مصانعها بمصر 30% أو من خلال عقود تصنيع مع شركات قطاع الأعمال والقطاع الاستثماري والخاص 35% حيث إن مصر تصدر اليوم 3 مليارات دولار بينما تستورد بقيمة 2.6 مليار دولار واردات، حيث نستورد أدوية كاملة الصنع ومواد خام لتصنيع أدوية في مصر ، ويبلغ حجم سوق الدواء الخاصة بـ “سوق الصيدليات” دون مستشفيات وزارة الصحة والتأمين الصحى ٤٥ مليار جنيه، بينها ١٨٪ أدوية مستوردة كاملة الصنع إلا أن هذه الصناعة تغطي نحو 93% من الاستهلاك المحلي ولديها فائض في الإنتاج يتراوح من 10 إلى أكثر من 50% في بعض المصانع مع عدم استغلال بعض طاقات الأقسام كاملة في عدد من المصانع وذلك رغم معدلات النمو العالية في استهلاك الدواء داخلياً.
” عالم رقمي ” تفتح ملف صناعة الدواء المصرية وكيف يمكن لمشروع قانون إنشاء ” هيئة صناعة الدواء ” أن تشكل نواة أساسية لتحديث هذه الصناعة ومواكبة التطور التكنولوجي على المستوى العالمي وتقديم حلول جذرية لمعالجة الكثير من مشاكل هذه الصناعة والتي تعتبر صناعة استراتيجية ، وصناعة أمن قومي بالدرجة الأولى للمواطن .
فصل ملف الدواء عن وزراة الصحة
أكد الدكتور محيى عيد ـ نقيب الصيادلة أن مشروع قانون هيئة صناعة الدواء ، الذي قدمته الحكومة لمجلس النواب ، سيؤدي إلى فصل ملف صناعة الدواء عن وزارة الصحة حيث ستتولى الهيئة الجديدة برئاسة الرئيس دراسة وتنظيم ووضع الاستراتيجية المستقبلية لتنمية صناعة الدواء المجلية وتعزيز قدراتها التنافسية بالإضافة إلى التخطيط لتوفير وتلبية احتياجات الشعب المصري في حين تتولى وزارة الصحة تطوير المستشفيات وتحسين الخدمات الصحية عبر تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل .
وعن مستوى جودة الدواء المصري قال إن صناعة الدواء هي الصناعة الوحيدة الموجودة داخل مصر والتي تغطي نحو 93 % من الاحتياجات من خلال التصنيع المحلي حيث إن الـ 7 % الباقية تحتاج إلى التكنولوجيا ومصر تسعى لتوفير هذه التكنولوجيا لتحقق الاكتفاء الذاتي من الأدوية بنسبة 100 % موضحا أن مصر تصدر الدواء إلى نحو 75 دولة على مستوى العالم وكل دولة تقوم بتحليل الدواء والتأكد من مستوى جودة وسلامة المادة الفعالة ممن يعطى شهادة اعتراف دولية بكفاءة وجودة الدواء المصري وأنه آمن بصرف النظر عن الشائعات التي يروج لها بعض المغرضين للنيل من السمعة العالمية للدواء المصري .
أشار الهيئة سيكون لها دور في مكافحة ظاهرة الأدوية ” المغشوشة” ، وهى ظاهرة عالمية ففي أمريكا وهى من كبرى الدول المنتجة للأدوية فإن 15 % من الدواء هناك مغشوش ، ونأمل أن يكون للهيئة الجديدة دورا إيجابيا للحد من هذه الظاهرة من خلال التفتيش على الكيانات والمصانع المرخصة وغير المرخصة وضرب أوكار من يقوم بغش الدواء كما سيكون للهيئة دور في مكافحة ظاهرة الأدوية ” منتهية الصلاحية ” والتي نسعى أن تنتهي في عام 2018 من خلال حملة توعية سيتم إطلاقها تحت رعاية رئيس الجمهورية للقضاء على هذه الأدوية كذلك بالنسبة لتهريب الأدوية فإن الهيئة بالتعاون مع كل الأجهزة المعنية بمكافحة الدواء مجهول المصدر نظرا لخطورته من الانتباه إلى أنه يمكن أن يسبب الموت للمريض .
وقال في ضوء تجربة مصر في علاج مليون مواطن بنسبة 98 % من الفيروس الكبدي الوبائي ” C ” فإن العديد من الدول الأوروبية قد تأتي إلى مصر للتعرف على الدواء المصري الذي نجح في تقديم علاج فعال للمواطنين المصريين .
تنظيم سوق تداول الدواء
من جهتها قالت الدكتورة إيناس عبد الحليم ـ عضو لجنة الصحة بمجلس النواب ـ إن قانون هيئة تصنيع الدواء وصل بالفعل إلى مجلس النواب ومن المتوقع مناقشتها بعد العيد موضحة أن مصر تصدر دواء بقيمة 3 مليارات دولار فقط في حين أن دولة الأردن التي بدأت بعدنا بعشرات السنوات ،تصدر بنحو 11 مليار دورلار ومن ثمة نتطلع ان يكون لهذا القانون دور إيجابي ملموس في تنمية وتطوير صناعة الدواء المصرية.
أضافت هيئة تصنيع الدواء كانت تشكل أحد أهم مطالب تنظيم سوق الدواء وتنميته وتشجيع المستثمرين المصريين والأجانب على الدخول إلى هذه الصناعة ومساعدة الشركات الحالية لتنمية استثماراتها وعودة مصانع الأدوية التي أغلقت أبوابها لتعمل من جديد والمساهمة في تطوير هذه الصناعة الاستراتيجية.
أشارت أنه تم فصل قانون “هيئة تصنيع صناعة الدواء ” عن قانون ” هيئة سلامة الغذاء ” حتى يمكن سرعة إصدار القانون الخاص بالدواء ومن ثمة فصلنا بين الغذاء ، حتى لو كانت الأعشاب ، نظرا لأن الأدوية لها دراسة تتعلق بالآثار والأعراض الجانبية بعد تناول العلاج وسيضم قانون الهيئة ثلاثة أجهزة أولها للدعم وتطوير التكنولوجيا في مجال الأدوية وجهاز للإشراف على تداول واستخدام الأدوية وهيئة للإشراف على التصنيع.
أكدت أن الأدوية التي يتم إنتاجها في مصر على أعلى مستوى مشيرة أن مصر ستدخل للمرة الأولى إلى مجال تصنيع أدوية الأورام حيث تم حاليا إنشاء مصنع جديد والذي سيقوم بإنتاج أدوية للأورام ويشكل قفزة نوعية كبيرة مشيرة إلى أن غالبية الأدوية التي يحتاج إليها المواطنون سيتم إنتاجها في مصر .
أمن قومي
من ناحيته أكد الدكتور على عوف ـ رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية أن الأدوية سلعة أمن قومي والقضية الأساسية التي تواجه صناعة الدواء أن وزارة الصحة تدير ملف الدواء في حين أن الوزارة مكبلة بأعباء كثيرة ، بداية من تطابق قانون التأمين الصحي الشامل بجانب التطوير والتوسع في إنشاء المستشفيات ، ومن ثمة فإن مشاكل صناعة الدواء أو عدم توافر بعض الأدوية لم تحظ باهتمام كبير وحقها من الرعاية من جانب الوزارة بالإضافة إلى عدم وجود استراتيجية مستقبلية لصناعة الدواء ؟ وأين تذهب ؟ والمشكلة بدأت تتزايد في صورة نقص العديد من الأدوية وهنا يأتي أهم دور قانون ” هيئة تصنيع الأدوية ” للتنظيم والتخطيط لصناعة الدواء كما أن قانون الأبحاث السريرية سيؤدي إلى نقلة كبيرة في تطوير براءات اختراع للأدوية المصرية يمكن أن يدر عائدات بقيمة مليارات الدولارات الى مصر.
أضاف للأسف التكنولوجيا والمواد الخام للأدوية يأتي من الخارج ، بداية من علبة الدواء والكرتونة وورق النشرة والأحبار وقرص الألمونيوم ، فنحن نستورد 90 % من هذه المكونات كذلك بالنسبة للمادة الخام الفعالة المستوردة السؤال هل لدينا كفاءات بشرية؟ الإجابة بالطبع نعم .. ولكن إذا قررنا إنتاج المواد الخام فإننا سندخل في منافسة مع كل من الهند والصين وهى تسيطر على السوق العالمية ، وتعتمد عليهم صناعة الدواء في كل من أمريكا وأوروبا ، ومن ثمة فإن دخل مصر لتصنيع المواد الخام لأدوية يجب أن يكون مرتبط بدراسة جدوى اقتصادية والوصول إلى سعر تنافسي ، لأنه سيكون استيرادها أرخص ، حيث ما زالت عملية التصنيع المحلي مكلفة للغاية إلا إذا قامت الدول بدعم تصنيع المواد الخام عير شركات قطاع الأعمال العام للخروج إلى السوق الأفريقية لأن القطاع الخاص لن يقدم على هذه الخطوة لأنها لم تحقق له أي أرباح بل خسائر .
دور شركة ” النيل ” وجودة الأدوية
شركة النيل ” التابعة للشركة القابضة للأدوية ، كانت فكرة إنشائها الأساسية أن تقوم بتصنيع المواد الخام ، وهى فكرة الرئيس جمال عبد الناصر ، وبالفعل كانت تغطي احتياجات السوق المحلية والعربية ولكن المنافسة مع الشركات الأجنبية والخاصة أدت إلى تقليص دور هذه الشركة واقتصر دورها الآن على تلبية نسبة بسيطة جدا من احتياجاتنا من بعض المواد الخام للدواء .
أوضح صناعة الدواء بخير وهناك رقابة قوية على صناعة الدواء أما أدوية التأمين الصحي فهي سليمة بنسبة 100 % حيث إنه لا يتم توريد أي علبة دواء إلا بعد أن تمر بفحوصات واختبارات من هيئة “الرقابة وبحوث الأدوية بوزارة الصحة ” للتأكد من سلامة الدواء وهناك بعض الشركات الأجنبية التي تسعى للتشكيك في المادة الفعالة لأدوية التأمين الصحي لأغراض المنافسة .
أشار من الضروري أن يكون هناك ” باركود رقمي ” على كل علبة دواء بحيث يقوم المريض ، بخربشته ، وإرساله ـ الكود الظاهر أمامه ـ عبر التليفون المحمول إلى موقع إلكتروني للتأكد من سلامة هذا الدواء وهذا أحد أهم الحلول للتأكد من سلامة الدواء .
السعر ليس دليل كفاءة الدواء
من ناحيته قال الدكتور محمد نصر ـ أستاذ جراحة القلب ونقيب الأطباء بالجيزة أن الدواء المنتج في مصر ذو كفاءة عالية ووجود هذه الهيئة الجديدة مهم جدا للأدوية لضمان جودة الدواء وضمان وصول الدواء للمريض موضحا ليس دائما الأدوية الغالية أكثر تأثيرا .. فالأدوية الهندية في علاج عضلة القلب وهى أكثر فعالية عن الكثير من نظيرها من الدواء الأوروبي والأمريكي رغم ان تكلفتها أقل بكثير جدا .
أضاف ، من خلال مشاركته في قانون التأمين الصحي الشامل ، فإن أساس نجاحه هو ” طبيب الأسرة ” كما أنه ستكون هناك مشاركة في تحمل نسبة مشاركة بسيطة في تحمل سعر الدواء العادي .. إلا أن أدوية الأمراض المزمنة ستكون مجانا .
أشار منذ فترة طويلة ونحن ننادي بتطبيق قانون « التجارب السريرية »، الذي سيُحدث نقلة نوعية فيما يخص أبحاث وتجارب الدواء، وسيسهم في جعل مصر إحدى الدول الرائدة في أبحاث الدواء، وسيرفع من قيمتها ماديًا ومعنويًا وفنيًا، فمصر في حاجة شديدة لذلك القانون، لما له من أثر إيجابي على صناعة الدواء، ومساهمته في تحفيز الشركات العالمية لزيادة استثماراتها في مجالات الأبحاث الدوائية.

08 – July – 2018