لبنان – “رشاوى” الشركات تتحكم بسوق الأدوية

عندما تتحكّم الهدايا بطبيعة العلاقة بين طرفين وتتجاوز قيمتها حدود اللياقات الاجتماعية وتعابير الشكر أو الامتنان تتحوّل إلى رشى وأحياناً إلى يد تُحكِم الخناق على متلقّيها، وهو حال بعض الأطباء في لبنان وبعض العاملين في وزارة الصحة العامة الذين وهبوا أنفسهم لخدمة كبرى شركات الأدوية والمستوردين، مقابل حفنة من الهدايا والخدمات. فما هي نماذج الهدايا التي تقدمها الشركات وتجار الأدوية لتسويق منتجاتها؟ وكيف يُنظر إلى متلقيها من الأطباء والعاملين؟
في غالبية دول العالم يحاسب القانون كل من يتلقى “هدية” من شركة أدوية، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال على شركات الأدوية أن تقدم تصريحاً عن كل هدية تقدمها إلى طبيب حتى لو كانت عبارة عن قلم أو باقة أزهار، وإن لم تتعد قيمتها 50 دولاراً. وعلى الشركة تبرير سبب تقديم الهدية إلى الطبيب. وفي حالة أخرى فرضت كوريا الجنوبية أخيراً غرامة بلغت 200 مليون وون (أي ما يزيد عن 17 ألف دولار) على شركة نوفارتيس السويسرية لصناعة الأدوية، وحظّرت بشكل موقت بيع بعض أدويتها بسبب تقديم هدايا ودفع عمولات لأطباء مقابل توصيتهم باستخدام أدوية الشركة.
أما في لبنان فحدّث ولا حرج، إذ تتنوع هدايا شركات الأدوية من حيث النوع والكم والقيمة من دون أي سقف أو رادع، وتختلف “تحفيزات” شركات الأدوية والمستوردين لبعض العاملين في وزارة الصحة عن غيرهم من الأطباء أو المستشفيات أو الصيادلة.

رشى وهدايا
تبدأ رحلة الهدايا في لبنان أو بشكل أدق “الرشاوى”، من تسريع معاملات شركة الأدوية عبر وزارة الصحة العامة، وأحياناً من دفع بعض الموظفين إلى غض أبصارهم عن بيانات ومعاملات الشركة، لاسيما لجهة شهادات بلد المنشأ. وهنا تأخذ الهدايا طابع الاستمرارية وليس مجرد هدية عابرة، على سبيل المثال: تفرغ إحدى كبرى شركات الأدوية في لبنان سائقاً خاصاً يرافق عائلة مسؤول إداري في إحدى دوائر وزارة الصحة، وتقوم الشركة نفسها بتقديم هدية شهرية لموظف آخر عبارة عن عملية تسوق في أحد المتاجر الكبرى في بيروت. أما الهدية “القنبلة”، فهي من كبرى شركات الأدوية التي تعهدت بدفع تكاليف زواج إبنة أحد كبار الموظفين في الوزارة في فندق من الدرجة الأولى في بيروت، إلى جانب تغطية تكاليف شهر عسل في قبرص.
بالنسبة إلى الأطباء تدور هدايا غالبية شركات الأدوية في فلك “السفريات والغداوات والعشاوات”، إلى جانب تغطية رحلات سياحية محلية وخارجية. وهناك شركات تتذاكى وتتفنن بهدايا الأطباء الذين يحققون نجاحات في تسويق أدويتها، إذ تعمد إلى تقديم معدات طبية مرتفعة الثمن إلى الطبيب من دون مقابل. ما يُلزمه، بطبيعة الحال، بتركيز وصفاته على أدوية معينة من دون غيرها.
أما بالنسبة إلى الصيدليات والمستشفيات، فالهدايا تأخذ طابع العروضات، التي لا تقل خطورة عن الرشى سابقة الذكر. فشركات الأدوية تقدم إلى الصيدليات عروضات ترتفع مع ارتفاع حجم المبيع وتتركز على أدوية  فوق الرف التى تصرف دون وصفة طبية، إذ يحق للصيدلي وصف أدوية لبعض الأعراض كمسكنات الآلام المتنوعة ومعالجة أعراض الزكام والحساسية وغيرها من دون وصفة طبيب. ما يعطيه الحرية التامة في اختيار صنف معين من الأدوية دون غيره. وهنا، يأتي دور شركة الأدوية التي تقدم عروضاً للصيدلي تصل أحياناً إلى زيادة 100% على الكمية المطلوبة وبشكل مجاني. أما الأدوية التي تصرف بوصفات طبية رسمية فتكون عروضها أقل بكثير.

عروضات ادوية فوق الرف تحقق أرباحاً كبيرة للصيادلة من دون أن توفر أي شيء على المرضى، لكنها مهما ارتفعت لا تصل إلى مستوى العروضات المقدمة إلى المستشفيات. فالأخيرة تحصل من شركات الأدوية على عروض تصل إلى 120% على المنتج، إلى جانب عروض الأسعار، بمعنى آخر، تقدم إحدى شركات الأدوية عروضاً للمستشفيات على بعض الأمصال والحقن، بنحو 120 وحدة مجانية مع كل 100 وحدة مدفوعة، إضافة إلى حسم 25% على السعر النهائي. ويؤكد أحد مندوبي الشركات أن المستشفيات تُدرج الأمصال عينها في فواتير المرضى بأسعار تفوق سعرها الحقيقي بنحو300%.

تواطؤ
أكثر ما يحذّر منه رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاطف مجدلاني هو ما يُعرف بالديكوتومي والمقصود بالتعبير هو التواطؤ بين طرفين على المريض، وغالباً ما يحصل ذلك في لبنان، بحسب مجدلاني، بين الطبيب والمختبر، “إذ بات رائجاً جداً تواطؤ الطبيب مع المختبر على اجراء صور شعاعية وفحوص مخبرية للمريض بشكل متكرر مقابل تقاضي الطبيب عمولة نسبتها 10% من المختبر مقابل كل مريض يتم تحويله إليه.
وعن إمكانية ضبط سوق الأدوية يلفت النائب السابق إسماعيل سكرية إلى أن وزراء الصحة المتعاقبين منذ الاستقلال حتى اليوم، هم انتاج نظام سياسي طائفي فاسد، ولا مصلحة لهم برسم وتنفيذ سياسة وطنية للدواء تحرمهم من حصص مالية في أرباح شركات الأدوية.
أمام هذا الواقع ينعى سكرية قيم الطب التي انهزمت أمام اغراءات شركات الأدوية، “التي اصبحت شريكة في العلاج ومصدر فساد وإفساد لأنبل مهنة في غياب أي ضوابط للقطاع وأي أمل بالمواجهة والإصلاح”.

01 – June – 2017