فاتورة تقصيرنا: قصور الشرايين التاجية ونوبات القلب المفاجئة

– من المعروف أنه بعد سن الأربعين تبدأ أجهزة جسم الإنسان بالتدهور والانهيار شيئاً فشيئاً دافعةً بذلك فاتورة تقصيرنا في حقها فيما خلا من السنين والأيام التي تمتعنا فيها بالأكل الدسم وقلة الحركة وعدم ممارسة الرياضة والتدخين وما شابه من الأمور الأخرى التي تأكل أعمارنا من حيث لا نشعر، وكلامنا اليوم عن أحد أهم الأمراض التي غالبا ما تحدث بعد سن الأربعين وهو مرض النوبة القلبية.

– كما هو واضح من التسمية النوبة القلبية تصيب القلب، هذا الجزء المهم من الجسم الذي يغذي سائر الأعضاء الأخرى بالدم فضلاً عن نفسه ولا يخفى عليكم أنّ انقطاع الدم عن أي جزء من أجزاء الجسم يؤدي الى موت خلايا ذلك الجزء في ساعات معدودة (6-12 ساعة كافية لموت خلايا العضلة القلبية) وتوقف جريان الدم عن أي عضو من أعضاء الجسم عادة ما يكون بسبب انسداد الشريان الناقل للدم إلى ذلك العضو، فمثلاً:

  1. انسداد أحد الشرايين الدماغية يؤدي إلى شلل نصفي أو ما يعرف  بـ (الجلطة الدماغية).
  2. الانسداد الجزئي للشريان التاجي المغذي للقلب يؤدي الى حدوث نقص في الدم الواصل الى عضلة القلب ولكنه لا يؤدي الى موت خلاياها بل مجرد شعور المريض بألم في منطقة الصدر ينتقل عادةً الى الكتف الأيسر واليد اليسرى خصوصا أثناء بذل مجهود عضلي وغالبا لا يستمر هذا الألم أكثر من ربع ساعة ويستجيب عادة للحبوب الموسعة للشرايين التاجية (التي عادة ما تُعطى تحت اللسان) وهذه الحالة تعرف )بـ (الذبحة الصدرية.
  3. أما الانسداد الكلي لأحد الشرايين التاجية المغذية للقلب فلا شك انه سيؤدي الى موت جزء من عضلة القلب إذا لم يتم علاجه وفي هذه الحالة يشعر المريض بألم شديد في منطقة الصدر غالبا ما ينتشر الى الكتف الأيسر واليد اليسرى ويكون في اغلب الأحيان مصحوباً بغثيان وتقيؤ وشحوب ويستمر عادةً لأكثر من ربع ساعة ولا يستجيب للحبوب الموسعة للشريان التاجي وهذه الحالة تعرف بـ (احتشاء عضلة القلب) أو ما يعرف بـ (الجلطة القلبية).

– لعل من أهم الأسباب المؤدية الى هذا الانسداد هو تصلب الشرايين الذي بدوره يؤدي الى تضيّق الشريان نتيجة تجمع وترسب الدهون (الكولسترول) في البطانة الداخلية للشريان ومن ثم انشقاق هذه البطانة وتجمع الصفيحات الدموية فوقها وتكوين خثرة دموية تقطع بدورها جريان الدم بالكامل عن الخلايا القلبية.

– أما الأشخاص الذين يكونون أكثر عرضة من غيرهم لأمراض القلب (الذبحة الصدرية أو الجلطة القلبية) فهم المدخنون والمصابون بارتفاع الضغط أو الذين يعانون من داء السكري والذين يكون مستوى الكولسترول عالياً لديهم بالإضافة الى أن نسبة الخطورة تزداد بتقدم العمر و تكون أقل في المرأة  قبل سن اليأس أما بعد الخامسة والأربعين فدرجة الخطورة تكاد تكون متساوية لدى كلا الجنسين.

– الجلطة القلبية قد تكون قاتلة في نفس لحظة حدوثها أو في أول ساعتين نتيجة حدوث اختلال في كهربائية القلب – ان صح التعبير- والذي بدوره يؤدي الى اضطراب نبضات القلب وحدوث (رجفان البطين) وهذه بدورها تقود مباشرةً الى الوفاة في ظرف دقائق في حال لم يُعالج المريض بجهاز الصدمة الكهربائية.

– هناك مضاعفات أخرى تحصل نتيجة الجلطة القلبية مثل عجز القلب الحاد و انفجار القلب وغيرها وهذه المضاعفات أيضا ممكن ان تؤدي الى الوفاة في حال حدوثها.

– أما تشخيص الجلطة القلبية فيعتمد بالدرجة الأساس على الأعراض والعلامات السريرية للمريض:  ألم شديد في الصدر ينتشر الى اليد اليسرى ، اختناق ، غثيان ، تقيؤ ، شحوب، بالإضافة الى التخطيط الكهربائي  للقلب مع الاعتماد على قياس كمية بعض الإنزيمات التي تُفرز في الدم من خلايا القلب المتضررة وهذه الإنزيمات لا ترتفع إلا بعد مرور فترة زمنية معينة (ساعة الى ساعتين).

– أما علاج الجلطة القلبية فهو بإزالة الخثرة الدموية سواء بالقسطرة أو باستخدام دواء مذيب للخثرة الدموية وهذا الدواء يستخدم فقط في حالة ان الجلطة لم يمضي على حدوثها أكثر من 6 ساعات وتقل فائدته بشكل كبير بعدها حتى يصبح عديم الفائدة بعد 12 ساعة وهذا الدواء لا يخلو من مضاعفات فهو قد يؤدي الى نزيف في الدماغ أو في أي مكان آخر من الجسم لذلك لا يستخدم في حالات وجود ورم في الدماغ أو وجود جلطة دماغية سابقة أو في حال وجود قرحة معوية نازفة أو غيرها من موانع الاستخدام والمصاب بالجلطة القلبية يُنقل مباشرة الى ردهة إنعاش القلب ليحظى برعاية خاصة ومراقبة شديدة تحسباً لحدوث أي مضاعفات ويبقى فيها ما لا يقل عن سبعة أيام بعدها يُجرى له تخطيط كهربائي للقلب تحت الإجهاد للتأكد من قدرة القلب على تحمل الإجهاد وفي حال ان النتائج مطمئنة يمكن للمريض ان يغادر المستشفى وعادة ما يُنصح المرضى بعدم مزاولة أعمالهم في أول شهر خصوصا وأن نسبة لا بأس بها منهم سوف يصابون بجلطة أخرى في أول إسبوعين أما المرضى الذين يقومون بأعمال مهمة كالطيارين وسائقي المراكب العمومية فيجب ان يغيروا أعمالهم الى أعمال أخرى اقل أهمية أو خطورة ويُنصح المرضى بتجنب التدخين والكحول بالإضافة الى عدم تناول الأغذية الحاوية على تركيز عالٍ من الدهون هذا بالإضافة الى السيطرة على السكر والضغط في حال وجودهما ولا ننسى الأسبرين الذي يستخدم بجرعات صغيرة (100 ملغم يوميا) لمنع الصفيحات الدموية من التخثر بالإضافة الى الأدوية الخافضة للكولسترول الذي يؤخذ كجرعة واحدة ليلا للتقليل من تصنيع الكولسترول، أما في حالة الأشخاص الأصحاء فللوقاية من أمراض القلب وتصلب الشرايين فعليهم بممارسة الرياضة مع الالتزام بالغذاء الصحي والإكثار من تناول الخضروات والفواكه وتجنب تناول الأغذية الغنية بالدهون.