شركات التول.. فقاعة صناعة الدواء في مصر

1300 شركة “تول” فى مصر تنتج أقل من 5% من إنتاج الدواء.. تجارة ملفات البوكسات تقضي على الصناعة.. والشركات تتجه للمكملات الغذائية والأعشاب للهروب من موافقات الصحة

شركات “التول” هى إحدى الصناعات الصغيرة التى تعتمد عليها الدول لخلق حالة من التوازن فى سوق الدواء، بما يضمن وقف العمليات الاحتكارية، وتوفير النواقص من الأدوية، لكن الأمر هنا مختلف، فعلى الرغم من وصول عدد الشركات التى تمكنت من الحصول على تصاريح وموافقات من وزارة الصحة لـ1300 شركة، فإن نصيبها جميعا من إنتاج الدواء لا يتعدى الـ5%. وهو ما اعتبره المعنيون بالملف إخفاقا كبيرا فى تحقيق الهدف الذي أسست من أجله، فأغلب الشركات تنتج أصنافا لا علاقة لها بسوق الدواء، فيما حمل أصحاب الشركات الدولة المسئولية الكاملة عن الأوضاع التى تعيشها الشركات.

مثائل الأدوية 

لكل دواء أصلي يتم اختراعه يوجد 11 صنفا مثيلا له فى التركيبة والخواص، وتوضع جميعها فيما يسمى بصندوق المثائل أو البوكس، ليصبح إجمالي الأصناف التى تحتوي نفس المادة وتؤدي نفس الغرض 12 صنفا، وللشركة المستوردة مكان واحد فى البوكس، ومكان لشركة مستوردة مصرية، و8 أماكن لمصانع الأدوية، ومكانان لشركات التول.

 حجز البوكسات 

فى إبريل عام 2015، وبعد حالة الفوضى التى شهدها سوق الدواء، أصدرت وزارة الصحة، قرارا بحظر قيد شركات “التول”، وإغلاق بوكسات أصناف الأدوية، التى كان عددها حينذاك 1200 شركة، إلا أن أصحاب الشركات لجؤوا إلى القضاء، الذي أصدر حكما بإلغاء قرار وزير الصحة.

سماسرة الملفات

حالة الفوضى التى كانت تشهدها عملية حجز بوكسات الأدوية، وتسريب معلومات للشركات من داخل الوزارة، وقيام بعض أصحاب الشركات بحجز “البوكس” وبيعه بمبالغ خيالية، كلها كانت أسبابا تقف خلف قرار الصحة عام 2015، إلا أنه وبعد حكم القضاء بعودة شركات التول للتسجيل مرة أخرى، أصدرت الوزارة قرارا يقضي بالموافقة على تسجيل الدواء بما يجاوز العدد المحدد لصناديق مثائل الأدوية.

قرار الصحة اشترط ألا يتم نقل ملكية المستحضرات المسجلة إلا بعد مرور 5 سنوات من التداول الفعلى، لتقطع الطريق على المتربحين، إلا أن عددا من المتابعين اعتبر قرار فتح المثائل سيفتح الباب أمام وجود كميات هائلة من الأدوية منتهية الصلاحية.

الصيدلي والمحامي هاني سامح، اتهم وزارة الصحة بالتهاون فى التعامل مع ملفات الأدوية، ما تسبب فى وجود عدد كبير من المنتفعين وسماسرة الملفات، والذين لا تربطهم علاقة بمهنة الصيدلة، مطالبا بوجود قوانين رادعة لمواجهة هذه الجرائم.

واتهم سامح خلال حديثه لـ”التحرير”، بعض العاملين فى وزارة الصحة ببيع المعلومات الخاصة بالبوكسات، مشيرا إلى أن عملية حجز البوكس تبدأ من 2000 وتصل لـ15 ألف جنيه، لكن بعد ارتفاع عدد الشركات ووجود سماسرة، يصل سعر الملف لـ3 ملايين جنيه، مطالبا بتغيير إجراءات حجز البوكسات، فلا يعقل أن يتم تحديد الشركات بأسبقية إرسال إيميل للحجز.

ماذا تنتج شركات “التول”؟

التحايل على القانون

إجراءات تسجيل الدواء فى مصر يعتبرها البعض أمرا معقدا، وتحتاج إلى سنوات، كما أن الأدوية دائما ما يتم تحديد سعر بيعها للجمهور من قبل وزارة الصحة، بخلاف المكملات الغذائية والأعشاب الطبيعية، وهنا تكمن الخطورة، حيث يلجأ بعض أصحاب شركات “التول”، للحصول على موافقات من المعهد القومي للتغذية، لتسجيل بعض الأدوية خاصة المقدمة للأطفال، على اعتبار أنها مكمل غذائي.

فى عام 2017 قررت وزارة الصحة سحب 130 صنفا من الصيدليات والمستشفيات والمراكز الصحية، بسبب عمليات غش وتلاعب فى خواص الأصناف، ولعدم مطابقتها للمواصفات، وفى عام 2018 سحبت الوزارة من خلال المديريات 111 صنفا لذات الأسباب.

مهندس زراعي والمهنة صاحب شركة أدوية

” أ.م” هو مهندس زراعي، ويمتلك شركة “تول”، سبق أن أصدرت وزارة الصحة عدة قرارات بسحب أصناف يقوم بإنتاجها من الأسواق، نظرا لعدم مطابقتها للمواصفات، ولوجود مشاكل فى الخواص والتركيبات، كما تم تحويله للنيابة بسبب بيع أحد الأصناف التى ينتجها ولفترة تجاوزت الخمس سنوات بزيادة على سعر العبوة الواحدة بـ30 جنيها، إلا أنه لا يزال يمارس نشاطه.

شركات تلعب دور الوسيط للحصول على التراخيص

كل ما عليك أن تفعله لتكون صاحب شركة “تول”، هو أن تكتب على محرك البحث “جوجل” شركة جلوري حتى تظهر لك صفحة الشركة، لتظهر لك أرقام هواتف الشركة وإعلانات عن بيع شركات ومصانع صغيرة وملفات لأصناف من الأدوية ومكملات غذائية.

معد التحقيق تواصل مع الشركة، وأبلغهم أنه غير صيدلي ويعمل فى مجال آخر ويريد فتح شركة، “الموضوع سهل وبسيط وإحنا ممكن نعملك كل حاجة خصوصا إن كارت التول فتح، والموضوع بقى أبسط من الوضع القديم، احنا بس مستنيين إن الوزارة تنفذ قرار فتح التول، ونعملك سجل تجاري وبطاقة ضريبية ونعملك كمان عقد مع مصنع”، هذا ما قالته موظفة الشركة.

“دينا” هو الاسم الذي ظهر على برنامج معرفة أرقام الهاتف، قالت أيضا “هنعملك كارت تول ونسجلك بيه دوا أو مكملات غذائية، ولو كارت التول مافتحش، تقدر تشتغل فى أصناف تابعة لمعهد الأغذية ومنها المطهرات وأدوات التجميل”.

بسؤال دينا عن الخطوات التى يجب أن أتبعها لفتح شركة تول؟، قالت: “كل اللى مطلوب رسوم تأسيس شركة ودي 7 آلاف، والعقد بتاع المصنع هيكون 10 آلاف، واحنا هناخد 7 آلاف، وممكن نعملك كل حاجة ونسلمك الشغل جاهز”.

“جلوري” ليست الجهة الوحيدة التى تعمل سمسارا أو وسيطا، فهناك جهة أخرى تطلق على نفسها “مندوب تسجيل الدواء”، و3 جهات أخرى تقوم بنفس الدور.

تورط الأطباء البشريين

عام 2017 فرضت كوريا الجنوبية غرامة قيمتها 200 مليون وون، على شركة نوفارتس السويسرية، وهى إحدى الشركات العاملة فى السوق المصري، كما أنها “كوريا”، حظرت بشكل مؤقت بيع بعض أدويتها بسبب قيام الشركة بدفع عمولات للأطباء مقابل التوصية باستخدام أدوية الشركة.

الرشاوى التى تقدمها شركات الأدوية للأطباء، للتوصية باستخدام أصنافها، تتمثل فى “كروت شحن موبايل، ورحلات للأطباء وأسرهم، والمشاركة فى المؤتمرات العلمية فى الخارج”، لكن يبقى حجم ما يقدم من عمولات يتوقف عند حجم الشركة.

الدكتور محمد عزب العرب الرئيس السابق لوحدة أورام الكبد بالمعهد القومي للكبد، اعتبر أن دخول الطبيب فى أي اتفاق مع شركات الأدوية هو أمر مخالف للضمير الإنساني، وفيه خيانة للأمانة وللرسالة السامية للطبيب، مؤكدا أن من يرتكبون هذه المخالفات يمثلون أقلية، مقارنة بعدد الشرفاء الذين ينتمون لمهنة الطب فى مصر.

شركات القطاع العام تنهار

حجم الأصناف الدوائية التى توجد فى السوق المصري بلغت 14250 صنفا دوائيا، نصيب شركات القطاع العام منها 4.8، أي 982 صنفا دوائيا، لتسجل شركات القطاع العام تراجع بلغ 80.2% من إجمالي الإنتاج.

الدكتور على عوف رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، قال إن إجمالي ما تنتجه شركات “التول” لا يتجاوز الـ5%، وأن الأدوية التي بيعت خلال 2018 بلغت 60 مليار جنيه، بلغ نصيب الشركات الأجنبية منها 60%، مشيرا إلى أن 30 شركة خاصة وأجنبية تستحوذ على 85% من المنتجات الدوائية، وهى من تشن حروبا  ضد شركات “التول”.

وحول المخالفات التى ترتكبها شركات “التول”، قال عوف، يوجد فى كل مهنة من يخالف آدابها وقواعدها، ومشاكل التول ليست جوهرية، وكل “الكلام” عن بيع الملفات، وحتى بيعها هو أمر طبيعي وموجود فى كل العالم.

وتساءل عوف: كيف لوزارة الصحة أن تقبل بقيام شركة “ج.س” اليهودية ببيع ملف عقار كومتركس لصالح شركة نوفارتس فارما وتتربح من خلفه بالملايين وفى نفس الوقت تتهم أصحاب شركات “التول” ببيع الملفات.

الصيادلة كل يوم شركة جديدة

“كل يوم مكمل غذائي ومضمضة وكريم ودوا، أنا عاوز أعرف هى شركات الأدوية اللى عمالة تطلع كل يوم دى بتطلع منين، هو إيه موضوع الدكاترة مع المندوبين الأيام دي، المصيبة الدكتور يبقى كاتب على مكمل غذائي ملوش لازمة ويقول للمريض اوعى الصيدلي يديك بديل”، هذا ما ردده أكثر من 30 صيدليا التقى بهم معد التحقيق على مدى 7 أيام.

10 – February – 2019