سوريا-شح وغلاء وغش الدواء .. سبب آخر لموت السوريين في حلب

صيادلة: حالات غش تسببت باختلاطات خطيرة .. والأعشاب باتت “الطب البديل”

رحلة البحث عن الدواء في حلب لا تتوقف بعد أن تقطعت كل السبل بالأهالي في ظل استمرار القصف والحصار والعمليات العسكرية، إذ أنه في حال توفر الدواء فأسعاره مشكلة اكبر مع الدخل المحدود أو اللادخل، لتضاف إليه أخيرا مشكلة غشه ما أسفر عنه “اختلاطات مرضية خطيرة” عند كثيرين.

 

أدوية بلا علامة تجارية ولا رقيب

ويرجع صيادلة في حلب انتشار أدوية ليس لها علامة تجارية واضحة، إلى “الفوضى العارمة وغياب الرقابة والإهمال وعدم المقدرة على الإحاطة بمتطلبات سوق الطلب على أنواع معينة من الأدوية إضافة لكل الزمر الدوائية”.

ويقول صيادلة التقيانهم في المدينة أن الأدوية التي لا تخضع لرقابة معيارية، إنتاجا أو تخزينا، باتت تهديدا كبيرا لصحة المرضى، إذ إن التداوي بأدوية لا تحتوي الكميات الصحيحة من المواد الفعالة سينتهي لطريق معالجة خاطئ وتردي الحالة الصحية للمريض، ما قد يؤدي أيضا إلى كوارث واختلاطات أخرى.

وأوضح الصيدلاني أحمد الصطوف أن “هناك أدوية داعمة للحمل تتألف من مكونات 11 فيتاميناً وبسبب غياب الرقابة الدوائية فإن بعض الشركات الدوائية، اختارت الغش، بديلاً عن تدعيم ثقة الأمن الدوائي، في الوقت الحالي، الذي لا يوجد فيه رقابة، سوى رقابة الضمير”.

وأضاف “لقد تسبب هذا بعدة حالات نقص دعم لحمل غير مستقر مقابل الحصول على بعض الليرات الفاسدة، عبر وضع 3 فيتامينات فقط عوضاً عن الـ 11 المطلوبة”.

الصيدلاني قتيبة الحسين سرد العديد من الأمثلة بينها أن “الديكلوفيناك الأمبول”، المنشأ الهندي، يسبب هبوطا في ضغط الدم، وذلك حسب عدة حالات متواترة، وقال إن “القادم عبر التهريب هو أسوأ من الدواء السوري المتوافر”، مشيرا إلى أن “الصيدلاني بشكل عام يميل للدواء الأجنبي لأن هامش الربح كبير”.

وأوضح أن “الدواء الأجنبي” الذي يتحدث عنه ليس ذلك الذي يتم استيراده عبر وزارة الصحة فـ”ذاك الدواء مرتفع من ناحية السعر، لأنه يخضع لمعايير وفحوصات مختلفة تضمن جودة وفعالية المادة الفعالة لهذا الدواء”.

أصناف أدوية نادرة في حلب

وحول ماهية الأدوية المطلوبة للسوق الدوائية، يقول الصيدلاني مهند السالم هي “الأدوية التي لا تصنع محلياً مثل أدوية علاج التلاسيميا، حليب الأطفال الطبي، نقص المناعة المكتسب، اللقاحات، الأدوية المعالجة للسرطانات، الخ”.

وأضاف أن “هناك أدوية معالجة السل (تم تصنيعه مؤخراً في سوريا) والتهاب الكبد وهناك طلب كبير على أدوية الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكّري، والأدوية النفسية والعصبية وكذلك الأدوية الخاصة بمعالجة أمراض الكُلى”.

وتابع أنه “ثَمَّة حاجة عاجلة للكواشف الكيميائية اللازمة لفحص الدم، وذلك لضمان سلامة ومأمونية الدم المستخدم في العمليات الجراحية والرعاية داخل المستشفيات”.

ويذهب الصيدلي عقبة الأفندي إلى أن عددا من الصيدليات “حاولت سد الفجوة الكبيرة في الإنتاج المحلي عن طريق جلب الأدوية من الخارج أو عبر التهريب، لكن العشوائية في هذا الخيار وتغليب مبدأ الربح على مبدأ الأمانة والأمان، وبتكلفة أعلى لم يعد العديد من السوريين قادرين على تحملها”.

ويبدو أن الوضع في مناطق خاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة ليست أفضل حالا حيث أسعار الدواء التركي البديل تصل لخمس أضعاف السعر الدوائي السوري، فسعر إبرة اللشمانيا المنتجة في سوريا يصل لـ 55 ليرة سورية بينما مثيلتها التركية تصل لـ 300 ليرة سورية وحسب مزاجية البائع وضميره، بحسب أهالي.

وتعد محافظة حلب إحدى مراكز معامل الأدوية في سوريا، حيث يوجد في جنوبها عدة معامل تتمركز في مدينة الزربة هي معمل الأوبري، معمل ساندي، معمل الوطنية، وهناك معمل اوغاريت.
ويوجد في منطقة المنصورة، غرب مدينة حلب معمل ألفا، إضافة إلى معمل شركة شفا، معمل ابن الهيثم، معمل السعد، معمل بركات، معمل السلام، معمل الرازي، معمل راشا، ومعمل عمريت، إضافة إلى معمل يونيفارما.

الطب البديل من الأعشاب.. أو تركيا ولبنان

ويضطر العديد من سكان حلب إلى اللجوء لطب الأعشاب في ظل انتشار الأدوية المغشوشة أو منتهية الصلاحية، أو عدم تواجد أية أدوية نهائيا أو شحها، كما هو حال البلدات المحاصرة.

أم خالد، وهي سيدة سورية من إحدى قرى حلب، تقول إن “هذا الملجأ (الاستطباب بالأعشاب) بات أمراً لا بد منه في حالة الحصار الذي تعيشه بلدتي”، مبينة أن هذه “الطريقة تبقى أكثر أمانا واقتصادا، حيث أن نسب المواد الفاعلة في هذه النباتات ليست بقاتلة كما هي التركيزات الدوائية غير المراقبة أو منتهية الصلاحية والتي باتت تنتشر بطريقة كبيرة في الأسواق بسبب انعدام الرقابة”.

فيما يقول صيادلة إن نتائج استخدام الأعشاب دون دراية بتأثيراتها، بات يؤدي إلى تفاقم أمراض والإصابة بأمراض جديدة، خاصة مع توجه البعض إلى امتهان العمل بطب الأعشاب دون خبرة أو مؤهل.

وفي المقابل فضل سعيد الأحمد اصطحاب زوجته الحامل إلى تركيا كي تتمكن من تسجيل اسمها بين اللاجئات فتحصل على الرعاية اللاحقة أو السابقة للحوامل.

وقال إن لدى زوجته حالات سابقة من الاختلاطات أثناء عملية الإنجاب وتكون فترة حملها في الظروف العادية مرحلة معقدة جداً لدى عائلتها المكونة من زوجها وأهلها وهي بحاجة ماسة عقب كل محاولة إنجاب لإبرة (تنافر الزمر) وهي بحد ذاتها تحتاج لمعاملة طويلة في الدولة.

“الأسعار الكاوية” تحمي الأمن الدوائي

الحكومة ترجع الازدياد المضطرد لأسعار الأدوية المحلية إلى “الظروف الراهنة وارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الصرف”، مشيرة إلى أن الهدف من القرار حماية الأمن الدوائي ضمان قدرة المعامل على متابعة إنتاج الأصناف الدوائية ولاسيما التي فقدت نتيجة عدم القدرة على تغطية تكاليفها.

وتراوحت الارتفاعات بين 50 بالمئة للمستحضرات الصيدلانية التي سعرها مائة ليرة سورية ومادون وزيادة 25 بالمئة للمستحضرات الصيدلانية التي سعرها يزيد على المئة ليرة سوريا.

ويقول الصيدلي عبد الرحمن سعد “ارتفع السعر الدوائي مضافاً فوق السعر المضاف في المرة الماضية من شرائح 0-120 خمسين بالمئة مثال سابقاً 60 ليرة -75 بعد الرفع الأول -الرفع الأخير 120″، فيما ارجع الصيدلي قتيبة الفروق بالسعر بين الصيادلة للمنتج الوطني إلى أن “هناك أجرة مضافة هي خمسة بالمئة على الحمولة الدوائية ولذلك نجد فروقات سعرية بين كل صيدلية وأخرى”.

الحكومة تقر بفقدان 80 صنف دوائي فقط !؟

وزير الصحة سعد النايف قال مطلع العام الحالي إن “هناك 80 صنفا دوائيا مفقود حاليا معظمها أدوية غير نوعية وغير مهددة للحياة, أما باقي الأصناف المفقودة في الصيدليات فهي متوفرة بنسب مقبولة في المراكز الصحية التابعة للوزارة ويتم توزيعها مجانا”.

كما لفت الوزير مؤخرا إلى أن “ستة معامل دوائية عاودت الخدمة”، موضحا أن “نسبة تغطية الدواء المحلي لحاجات السوق إلى 80 بالمئة”، مشيرا إلى أن “المعامل المتوقفة حاليا 16 معملا وأن هذا العدد في تغير مستمر نتيجة الاستهداف الممنهج لها من قبل المجموعات المسلحة”.

وبيّن أن الوزارة أرسلت في تموز العام الماضي 33 شحنة دوائية إلى المحافظات حيث وصلت الشحنات إلى 11 محافظة 4 منها إلى حلب و3 إلى كل من الرقة ودرعا و5 إلى كل من حماة وحمص.

وتشير تقارير إلى أن احتدام الاشتباكات والمعارك بين الجيش النظامي ومقاتلي المعارضة والعقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب المفروضة على سوريا، إضافة إلى إغلاق العديد من المشافي والمراكز الصحية والمنشآت الصناعية منها معامل الأدوية بسبب الأحداث، تسببت في نقص عام بالأدوية وخاصة النوعية منها وارتفاع تكلفتها، وتفيد أنباء أن نسبة فقدان بعض الأصناف تجاوزت 40%.

وتم إغلاق معظم معامل الأدوية التي تقع في الأرياف سواء في حلب أو حمص أو دمشق, نظراً للأوضاع الأمنية, ما خلق حالة من نقص الأدوية, بحسب بعض الصيدليات, حيث بات المواطن, أمام نقص بعض أصناف الأدوية, يتجه لتأمين أدويته من الخارج وخاصة من لبنان والأردن أو من السوق غير النظامية وهو ما يعرف بالأدوية “المهربة” رغم أسعارها المرتفعة والتي لا تلائم دخول المواطنين، فضلاً عن عدم ضمانها كونها خارج رقابة الصحة والمعنيين.

يذكر أن عدد معامل الأدوية كان قبل الأزمة 72 معملاً استطاعت تغطية 93٪ من الحاجة المحلية، إضافة إلى وصولها 57 دولة في العالم، وفقا لمصادر رسمية

9-April-2014