سوريا:بمقتل صيدلانية بحلب: الإدمان وحماية الصيدليات من المدمنين.. المعادلة الصعبة

نص القضية
تسع طعنات في مناطق مختلفة من الجسم، إحداها اخترقت عضلة القلب، وكانت كفيلة بأن تسدل الستار على حياة صيدلانية في العقد الثالث من العمر..
قَدَرُ فاطمة حكم عليها بهذه النهاية القاسية، إلا أنها ليست الوحيدة التي تعرَّضت لهذه الحادثة، فالعديد من الصيادلة يتعرَّضون يومياً لحوادث مشابهة، إلا أنَّ الحظ حالفهم للنجاة بحياتهم. ولكن، إلى متى سيبقى الأمر متعلّقاً بالحظ؟..
قضية مقتل الصيدلانية فاطمة داخل صيدليتها في منطقة صلاح الدين في مدينة حلب، والتي مازالت التحقيقات مستمرَّة فيها لكشف ملابسات الجريمة التي يعتقد أنها نُفِّذت من قبل أحد متعاطي حبوب الهلوسة، بالإضافة إلى الكثير من الجرائم الأخرى التي شهدتها مدينة حلب، والمتعلِّقة بتعرُّض المدمنين للصيادلة أثناء مزاولتهم العمل في الصيدلية، من محاولات تهديد بالقتل بواسطة السلاح وغيره مقابل حصولهم على الدواء المخدّر من الصيدلاني، ما يضطرُّه إلى إعطاء الدواء من أجل الحفاظ على حياته وحماية نفسه، كلُّ هذه القضايا أثارت شجون الشارع الحلبي عموماً، وممارسي المهنة على وجه الخصوص، الأمر الذي حدا بعدد من صيادلة حلب إلى تقديم مشروع لضمان حماية أمن الصيدلي ومكافحة الادمان.. فهل يبصر النور؟.

حديث الشارع

عدد من الصيادلة، وفي لقاءاتهم الدورية، تعرَّضوا لعدد من المواقف، كتهديد أحدهم بالسلاح، ما اضطرُّه إلى الاختباء في مختبر الصيدلية لينجو بنفسه، وليترك لهؤلاء المدمنين حرية التجوّل في الصيدلية وسرقة ما يشاؤون منها، الأمر الذي يعدُّ تهديداً لحياة الصيادلة من ناحية، ومشجّعاً على الإدمان من ناحية أخرى.
وفي المجمل، قدَّم بعضهم حلاً وجدوا فيه خلاصاً لمشكلتهم ونهاية لتهديد سلامتهم، خاصة مع وجود أكثر من ألف وخمسمئة صيدلية في مدينة حلب، كلها تحتوي على الأدوية المخدّرة، الأمر الذي سهَّل كثيراً على المدمنين إمكانية الحصول على هذه الأدوية المخدّرة، ما يؤثِّر سلباً في نسبة الإدمان. وجاءت مقترحاتهم لتتلخَّص أولاً في حظر بيع بعض الأدوية النفسية المسبِّبة للإدمان من الصيدليات بشكل نهائي، وحصر بيعها في صيدليات معيّنة تابعة للنقابة، وفقاً لدراسة معيّنة تطالب بتخصيص صيدلية واحدة لكلِّ منطقتين في محافظة حلب، المقسَّمة إلى أربع عشرة منطقة. وتختصُّ هذه الصيدليات ببيع الأدوية النفسية، وبذلك يحصل المريض على الدواء النفسي الموصوف له من قبل طبيبه بسهولة، مع الإشارة إلى أنه ليس من الضروري أن يكون لهذه الصيدليات السبع مواصفات الصيدلية العادية نفسها من حيث الشروط المطلوبة، كالمساحة أو وجود المختبر، مع ضرورة وضع نقطة حراسة دائمة بجانب هذه الصيدليات السبع، لضمان حمايتها من اعتداء المدمنين عليها. كذلك اقترح الصيادلة ضرورة التنسيق مع نقابة الأطباء لتحديد الأدوية النفسية المحظورة، وإصدار تعاميم توجب على الطبيب كتابة الدواء النفسي للمريض على وصفة خاصة لها لون مميَّز عن الوصفة المعتادة، ليسهل على المريض صرف الدواء، وكذلك إلزام كل صيدلي بوضع كاميرا مراقبة في صيدليته، كإجراء احترازي رادع لمن تسوّل له نفسه الاعتداء على الصيادلة، ما يحقِّق قدراً كبيراً من الحماية للصيدلي، وفي الوقت نفسه نكون قد صعّبنا على  الكثير من المدمنين إمكانية حصولهم على الأدوية المخدّرة بواسطة إجرامهم وتهديدهم للصيدلي.
كما أشار الصيادلة إلى الجدوى الاقتصادية التي يحقِّقها هذا المشروع، من خلال حظر الأدوية المخدّرة من جميع صيدليات مدينة حلب، وحصر بيعها في الصيدليات السبع التابعة للنقابة، ما يحقِّق مردوداً جيداً جداً.


ولنقابة الصيادلة في حلب.. رأيها
من جانبه، لخَّص الدكتور عبد الله الجراح، نقيب الصيادلة في حلب، المشروع بأنه عبارة عن إقامة مراكز تابعة للنقابة في كلّ منطقة من مناطق حلب، يديرها صيدلاني، وتتحقَّق فيها شروط التخزين، ولا تتحقّق شروط المسافة والمساحة.
ويضيف أنَّ الفكرة المطروحة جيدة وقابلة للتطبيق.
قد يكون هناك اختلاف حول آلية تطبيقها ما بين فتح مراكز جديدة أو الاقتصار على الصيدليات المركزية، ولكن في حلب لا يوجد سوى صيدليتين مركزيتين، وهو عدد غير كافٍ لتخديم حلب. بينما الطرح السليم أن توجد في كلِّ منطقة صيدلية تباع فيها هذه الأدوية.
في المقابل، يتعاون معنا الطبيب عن طريق تقديم الوصفة الدوائية على قسمين؛ قسم يصرف من الصيدليات الأخرى بشكل طبيعي، وقسم خاص بالأدوية النفسية يصرف من المراكز  الخاصة ببيع هذه الأدوية، والتي ستكون عائديتها للنقابة، والصيادلة في حال اتخاذ إجراءات محدّدة وتحديد هذه الأدوية لن يعارضوا، لأنَّ الأمر في النتيجة سيكون لمصلحتهم، خاصة أنَّ هذا النوع من الأدوية مشكلاته وهمومه أكبر من ربحه، ومن الممكن أن يكون هناك إشكالية حول بعض أنواع الأدوية العصبية، التي من الممكن أن يتمَّ تحديدها، ويؤكِّد ضمان تحقيق شروط الأمان لهذه المراكز أن يُباع الدواء من خلف كوة، وبالتالي ما من داعٍ لدخول الصيدلية، أو حتى من الممكن أن يتمَّ وضع حاجز للحماية.
ويبيِّن د.الجراح أنه «من الممكن أن تواجهنا مشكلة في الريف، إلا أنَّ الأمر هناك أسهل، خاصة مع صغر المكان ومعرفة الأهالي لبعضهم بعضاً، وبالتالي إمكانية التعرّف إلى المدمنين والاحتياط منهم، ومن الممكن كذلك أن يتمَّ وضع مركز في المدن الكبيرة، مثل منبج».
وعن الإجراءات التالية أضاف د.الجراح: «سنقوم حالياً برفع المقترح للنقابة المركزية، وإذا تمَّت الموافقة عليها سترفع لمديرية الصحة للموافقة، وإعداد المراكز ضمن شروط وضوابط معينة».
ويبقى لبعضهم مخاوفه

على الرغم من الأمان الذي يطالب به الصيادلة، والذي سيحقِّقه المشروع، إلا أنه في المقابل لم يخفِ بعضهم معارضتهم لحظر هذا النوع من الأدوية، معلِّلين ذلك بالخوف من عدم تحديد الأدوية التي سيتمُّ حظرها، خاصة أنَّ هناك استعمالات متعدِّدة لعدد من الأدوية التي تختلف نتيجتها باختلاف مستخدميها، كأدوية الصرع، بالإضافة إلى الخوف من أن يتحوَّل الأمر إلى احتكار للدواء، كما هو الحال في بعض الأدوية التي أصبح المواطن يلجأ إلى طرق غير مشروعة للحصول عليها، وإن كانت بأسعار أعلى.