خفض أسعار الأدوية في المغرب بين مؤيد ومعارض

تفرقت السبل بين بعض المهنيين في مجال الصيدلة وتصنيع الأدوية بشأن الموقف المناسب من القرار الذي اتخذته الحكومة المغربية أخيرا، والقاضي بخفض أسعار مجموعة من الأدوية، خصوصا تلك الموجهة إلى المصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة مثل السرطان وأمراض القلب والجهاز العصبي وغيرها. صيادلة رحبوا بالمبادرة، التي شرع في تطبيقها واقعيا بداية من السنة الجارية، واعتبروها التفاتة طيبة لمواطنين ظلوا يشتكون تكلفة الدواء التي تثقل كاهلهم،
 فيما ذهبت أطراف أخرى إلى التشكيك في نية الحكومة متهمة وزارة الصحة، صاحبة المبادرة، بأنها تسعى إلى اتساع رقعة إفلاس الصيادلة الذين يزاولون المهنة، ويعانون منذ سنوات عدة مشاكل، أبرزها ضيق هامش الربح. لكن بين هذين الرأيين، لم يجد المواطنون أمامهم سوى الترحيب بقرار خفض أسعار الأدوية، التي تبقى في عمومها مرتفعة ولا تتناسب والقدرة الشرائية لشرائح عريضة من المجتمع المغربي.
وزير الصحة، الذي خاض سلسلة من المفاوضات العسيرة مع مهنيي قطاعي الصيدلة وصناعة الأدوية، حمل البشرى للمغاربة وأخبرهم قرار خفض، في مرحلة أولى، أسعار 320 دواء لعلاج بعض الأمراض الخطيرة مثل السرطان، إذ تجاوزت نسبة الانخفاض بالنسبة إلى بعض الأدوية 80 في المئة، ولم تتعد نسبة 20 في المئة لأدوية أخرى. يقول عادل وهو شاب في مقتبل العمر مبتهجا: “المهم أننا سمعنا بتقليص ثمن الدواء، وهو الأمر الذي لم يسبق أن عشناه، وتحقق ذلك عند لجوئنا إلى الصيدليات”،
 وأوضح أن هذا القرار أثلج صدور العديدين. وأضاف: “ننتظر المزيد من المبادرات المماثلة، حتى يتوقف لجوء البعض للأدوية المهربة”، وهو أمر يشكل تحديا كبير بالنسبة إلى مهنيي القطاع، الذين ما فتئوا التنبيه إلى آفة ترويج أدوية مهربة، التي تبقى في عمومها مضرة للصحة ولا يؤمن تناولها، رغم أن ثمنها يقل بكثير عن تلك المتداولة رسميا في الصيدليات المغربية”.
وبهذا الخصوص، أوضح محمد غوتي الأغطف، الذي انتخب أخيرا رئيسا لاتحاد صيادلة العرب خلفا للسوري شنن أديب، أنه من الضروري المضي قدما في تنفيذ مبادرة خفض سعر الأدوية “وهذا يتطلب ضرورة دعم الصناعة الدوائية، وإنتاج دواء فعال وبثمن مناسب”. وبالنسبة إلى رئيس صيادلة العرب، قال في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب. ا): “أزيد من نصف ثمن الدواء المسوق في الصيدليات المغربية رسوم وضرائب، بمعنى أن هامش ربح الصيدلي يبقى متواضعا، وهذا ما سبق أن أشرنا إليه في عدة مناسبات، ونبهنا المسؤولين إلى ضرورة أخذ هذا الموضوع باهتمام كبير، فأعداد كبيرة من الصيدليات توجد حاليا على حافة الإفلاس”.
 أما بالنسبة إلى وزارة الصحة فإن تطبيق قرار خفض الأدوية على عدد من الأدوية لا رجوع عنه، حيث إنها ناقشت الأمر من جميع جوانبه، آخذة في عين الاعتبار واقع الصيدليات التي تؤدي رسوما وضرائب عديدة خلال عملية بيع الأدوية، بل إنها بهذه المناسبة تصر على مبدأ التكافؤ الحيوي بين الأدوية الأصيلة والأدوية الجنيسة، علما أن الأخيرة مازالت غير متداولة بالشكل الكافي بسبب عدة عوامل، أبرزها الضغوطات التي تمارسها بعض الأطراف المصنعة من أجل التقليل من قيمة الدواء الجنيس الذي يفترض أن يسوق بثمن أقل من الدواء الأصيل، علما أنه يتمتع بالفعالية والتركيبة الدوائية ذاتها. وفي هذا الصدد، أوضح أحد مهنيي قطاع الأدوية أن الأدوية الجنيسة مازالت لا تستأثر بأكثر من 35 في المئة من سوق الأدوية، الأمر الذي يتطلب تشجيعها لتصبح متاحة وتلبي حاجيات المرضى ما دامت تكلفتها تبقى منخفضة.
فمن الناحية العملية، ستتبع مرحلة بدء تطبيق قرار خفض أسعار 320 دواء مرحلة ثانية تهم أدوية أخرى ستضاف إلى اللائحة الأولى، غير أن هذا يتطلب انتظار انتهاء مخزون الأدوية المتداولة، وأمام تخوفات المهنيين، فإن وزارة الصحة المغربية بعثت رسائل الطمأنة، معتبرة أنها اتخذت مجموعة من الإجراءات الموازية لحفظ هوامش ربح الصيادلة الذين يلعبون دورا مهما في المجتمع المغربي، بيد أن فئات خصوصا من أصحاب الدخل المحدود أو الذين لا يتوفرون على التغطية الصحية (30 في المئة من المغاربة فقط يتمتعون بالتغطية الصحية)، كثيرا ما يلجأون إلى صاحب الصيدلية ويطلبون استشارته ثم اقتناء الدواء المناسب دون المرور عبر عيادة طبية، بسبب ما لهذا الأمر من تكلفة مالية،
 فالأطباء المتخصصون يقومون بالتشخيص بسعر يفوق 250 درهما، بينما يفرض الطبيب العام رسوما تقدر بحوالي مئة درهم فقط، وهو واقع يزيد من مكانة الصيادلة في رعاية صحة المواطنين، حيث يقدمون لهم الاستشارة الفورية ويصفون الدواء المناسب لمن يطرق أبواب صيدلياتهم. يشار إلى أن أسعار الأدوية في المغرب لم تعرف أية زيادة رسمية منذ أواسط تسعينيات القرن الفائت، وحسب الإحصائيات المتداولة، فإن معدل استهلاك الأدوية على الصعيد الوطني لا يتعدى 300 درهم، (ما يعادل 30 يورو)، الشيء الذي يؤثر سلبا على رقم المعاملات التي تحققها الصيدليات المغربية التي تشكو أغلبها من انخفاض رقم معاملاتها بسبب عدم الإقبال الكثير على الأدوية وهو الأمر المرتبط بالأساس بالقدرة الشرائية للمواطن المغربي.