تركيبة البرد “الموت في سرنجة”

نداءات كثيرة أطلقتها منظمات صحية محلية ودولية، حذرت خلالها من صرف الأدوية بدون «روشتة» أو استشارة طبيب، وهو الأمر الذى تتجاهله معظم الصيدليات فى كثير من الأحيان، وعلى الرغم من انتشار ظاهرة ضحايا الأدوية الخاطئة، إلا أن «الربح السريع» أصبح هو المحرك الأساسى لهذه الصيدليات التى تحولت إلى «دكاكين» للموت المجاني.
وتحولت «حقنة البرد»، إلى ظاهرة قاتلة يتم تداولها على نطاق واسع خلال الآونة الأخيرة، وفى كل الشوارع المصرية، خاصة أن كثيرين يعتبرونها علاجًا سريعًا لفيروس «الإنفلونزا» وأن مفعولها يشبه السحر، وذلك لأنها تحتوى على تركيبة من المسكنات والمضاد الحيوى والكورتيزون يتم تجميعها بواسطة الصيدلى دون الرجوع إلى الطبيب أو معرفة التاريخ المرضى للمصاب بـ«الإنفلونزا».
الظاهرة الخطيرة التى تزداد انتشارًا على الرغم من هذه التحذيرات، دفعت  لاستقصاء الحقيقة والوقوف على مدى خطورتها وكيفية تعامل «الصيدليات» مع هذه «التركيبة» خاصة بأنها يتم صرفها بدون روشتة طبية، والتى تلقى رواجًا للراغبين فى التخلص السريع من البرد دون الذهاب إلى طبيب، أو معرفة مدى التناسب بينها وحالتهم الصحية التى قد تتدهور بسبب هذه «الحقنة».
الحوار الذى دار داخل إحدى الصيدليات بالشوارع الجانبية بمنطقة الـدقى كان كالتالي: «السلام عليكم، لو سمحت يا دكتور عايزه دواء للبرد الشديد والإنفلونزا عشان أخويا مريض» فقال الصيدلي: فى أنواع برشام ومضاد حيوى كتير لاحتقان الحلق وأعراض البرد.. هو عنده كام سنة؟ فأجبته، ٢٢ سنة وجسمه ضعيف بس مش عايزه برشام، لو فى علاج شرب أو حقن يكون أفضل، أنا سمعت عن علاج اسمه «حقنة البرد» وأنها كويسة وقوية، ممكن تشرحلى إيه دى عشان مش فاهمه؟».
فرد الصيدلى قائلا: «أيوه فى حقن للبرد.. وهى ٣ أنواع حقن مع بعض.. متكونة من مضاد حيوى ومسكن مع كورتيزون.. فقلت له: الحقنة دى هتجيب نتيجة ويتحسن ولا إيه؟.. فقال: هياخد الحقنة عشان يفوق وبعد كده يكمل بمضاد حيوى أو برشام.. وده دواء بردو»، استكملت: «تمام يا دكتور بس هو جسمه رفيع وضعيف هيستحملها؟.. فقال: آه ده كبير ياكل وياخدها».
قلت: «هى كده الحقنة مش تقيلة عشان الـ٣ أنواع مع بعض ولا لأ.. سعرها كام تقريبا؟ وهخلط التركيبة إزاى؟، فقال: لا مش تقيلة هياخدها عادى ويكمل بدواء… وسعرها حوالى ٤٠ وحاجة… هتخلطى المضاد الحيوى فى سرنجة ٥، مع ديكساميثون والمخدر ليدوكايين.. ونكمل بالمايه ونخلط المضاد، بعد كده ياخد حقنة أولفين المسكنة والمضادة للالتهاب وخافض للحرارة».
«اشتريت التركيبة وخرجت من الصيدلية، توجهت إلى صيدلية أخرى أملا بأن لا يتم صرف التركيبة إلا بروشتة طبيب، أو ينصحنى الصيدلى بعدم استخدام «حقنة البرد» أو يستفسر عن الحالة الصحية قبل صرفها، لكن المشهد لم يختلف كثيرا، فقد نصحنى الصيدلى الآخر بخلط «المسكن والكورتيزون»، ولم يستفسر الصيدلى عن حالته الصحية أو إذا كان مصابا بالحساسية، أو إذا كان يتناول أنواعا أخرى من الأدوية التى قد يتعارض مفعولها مع التركيبة، واكتفى بالسؤال عن عمره فقط».
«التركيبة الملعونة»
بعد الحصول على التركيبة، والتأكد من عشوائية صرفها داخل «الصيدليات»، ظهرت كارثة أخرى تتمثل فى قائمة الأعراض الجانبية وموانع الاستعمال، حيث بينت النشرات الداخلية أن لكل نوع من هذه التركيبة مخاطر جمة على أصحاب الأمراض المزمنة، وهو الأمر الذى يفسر سقوط ضحايا بسببها، خاصة فى ظل انعدام الرقابة على الصيدليات والتوعية بمخاطر هذه «الحقنة».
كشفت النشرة الداخلية للعنصر الأول من مكونات الحقنة وهو أمبولات اولفن ، أنه يزيد من احتمالية حدوث الجلطات القلبية أو الدماغية لمرضى القلب والأوعية الدموية، ولذلك أكدت النشرة ضرورة استخدام بديل فى مثل هذه الحالات حتى لا يتسبب الدواء فى ارتفاع ضغط الدم واحتباس السوائل، والتهاب الأوعية الدموية. كما أن الأعراض الجانبية لهذا الدواء تتمثل فى ضرر الجهاز الهضمى، قرحة المعدة، إسهال أو انتفاخ ونادرا نزيف معوي، بجانب التهاب اللسان والفم، والجهاز العصبى ويمكن أن يتسبب فى صداع، دوار وأحيانا اكتئاب، قلق، عدم ارتياح وأحلام مزعجة، الجهاز المناعى يتأثر بطفح جلدى وفرط لحساسية ضد العقار، ارتفاع أنزيمات الكبد وأحيانا الالتهاب الكبدي، ونادر جدا ما يسبب العقار ندرة الصفائح الدموية، ندرة كرات الدم البيضاء، فقر الدم، انحلال الدم، بحسب النشرة المرفقة.
المفاجأة الأخرى كانت فى العنصر الثانى من التركيبة، وهو المضاد الحيوى ونترياكسون وينترياكسون ، حيث إن النشرة الداخلية بدأت بـ«اقرأ هذه النشرة بدقة قبل تناول الدواء، ولا بد من قراءتها بدقة قبل بدء العلاج وفى كل مرة يتم فيها وصف العلاج، حيث إنه يمكن أن تتواجد بها معلومات جديدة، ويجب استشارة الطبيب لأنه الوحيد الذى يستطيع إخبار المريض «إذا كانت الحالة تتناسب مع الدواء أم لا»، هذا هو أول تحذير بدأت به النشرة الداخلية لوصف الدواء، حيث إنه ينتمى إلى مجموعة من «المضادات الحيوية»، ورغم هذه التحذيرات التى تكشف عن خطورة الأمر لم يسأل الصيدلى عن روشتة «الطبيب».
«النشرة حذرت أيضًا، من تناول الدواء فى حالات الاشتباه بوجود حساسية تجاه المادة الفعالة أو مواد أخرى، نظرا لحدوث حساسية متبادلة من ١٠٪ من الحالات وأن المرضى الذين يعانون من الحساسية المفرطة لهذه الأدوية سيتعرضون لوعكة وأن أعراضها هى الانتفاخ فى الحلق والوجه وصعوبة التنفس والطفح الجلدى وانتفاخ الأطراف، وتجنب الدواء فى حالات الإصابة بالربو ومشاكل الكبد والكلى، ووفقا للنشرة فإنه لا يجب مزج الدواء أو تناوله مع محاليل تحتوى على كالسيوم.
الأعراض الجانبية للدواء تتمثل فى الشعور بالمرض وتفاعلات جلدية، صداع شديد، دوار، مشاكل بالكبد، التهابات المرارة، ومشاكل الكلى، تواجد الدم بالبول وتغير عدد كرات الدم البيضاء والارتفاع لدرجة حرارة الجسم، التهابات البنكرياس والأمعاء الغليظة.
أما العنصر الثالث والأخير من التركيبة فهو حقن ليدوكايين، وتوضح النشرة أن هذا الدواء لا يتم امتزاجه جيدا مع الأدوية الأخرى، وإذا كان المريض يعانى من ضعف فى القلب، فيجب الحرص على استشارة الطبيب.
بينما الأعراض الجانبية تتمثل فى العصبية، الارتباك، الدوخة، النعاس، طنين، وعدم وضوح الرؤية أو ضعف، والتقيؤ، والأحاسيس من البرد والحرارة أو خدر، والوخز، والهزات، والتشنجات والغيبوبة وصعوبة التنفس، وبالنسبة للقلب والأوعية الدموية، بطء دقات القلب، انخفاض ضغط الدم، وانهيار القلب والأوعية الدموية، مما قد يؤدى إلى السكتة القلبية، الصداع وانخفاض ضغط الدم وآلام الظهر، الارتعاش، والأعراض العصبية المحيطية، والغثيان، وعدم كفاية الجهاز التنفسى والرؤية المزدوجة، حيث يمنع استخدامه إلى المرضى الذين لديهم تاريخ معروف من فرط الحساسية لأدوية التخدير بشكل عام.
أطباء وصيادلة حذروا من المخاطر العديدة التي تسببها التركيبة على كثير من اصحاب الأمراض المزمنة، إضافة إلى المخاطر الصحية التي تسببها حالة تعاطيها دون الرجوع إلى الطبيب.
27 – March – 2018