الوصمة والمرض النفسي في العالم العربي

لدى مشاركتي في مؤتمر حول الصحة النفسية والأزمات الإنسانية في مدينة أوسلو في نيسان الماضي، كانت أفضل مداخلة للسيد بوندوفيك رئيس الوزراء النرويجي السابق والذي تحدث حول تحسين الخدمات النفسية في النرويج ومساهمة بلاده في دعم الخدمات النفسية خارج حدودها. وقد افتتح السيد بوندوفيك كلمته تلك بوصفه محنته المرضية الخاصة حيث اصيب بانتكاسة كآبية في عام 1998 وخرج على أثرها في إجازة مرضية أثناء دورته الرئاسية الاولى، وكان لديه الشجاعة النادرة للحديث بصراحة حول مرضه للشعب والصحافة، وقد جعل من هذه التجربة حافزاً لتكريسه نفسه للنهوض في خدمات الصحة النفسية في بلاده. ومن اللافت للنظر أن اعترافات السيد بوندوفيك لم تؤثر سلبا في شعبيته، ففي عام 2001 تم انتخابه كرئيس للوزراء مرة أخرى.

الوصمة و المرض النفسي
أما في العالم العربي فإن الوصمة وما يرتبط بها من اعتقادات خاطئة مترسخة بأذهان الناس حول المرض النفسي هي أهم ما يعيق عملنا ويحول دون الارتقاء في تقديم خدمات الصحة النفسية. والمقصود بالوصمة هو العلامة الفارقة المرتبطة بالشعور بالخجل والنقص والرفض وعدم الاحترام من قِبَل الآخرين.
وفي حين قد لا يكون هناك أي ضرر من العلامة أو التصنيف المرضي بحد ذاته كتصنيف مرضى السكري ومرضى القلب، على سبيل المثال، إلا أن ما يرتبط بالمرض النفسي من صور نمطية خاطئة هو ما يُشْعِر المريض وذويه بالوصمة ويحيط معاناتهم بجدار منيع من الصمت والإنكار.

إن محدودية التعاطف مع المرضى النفسيين تعزى إلى صعوبة إدراك أن المرض النفسي لا يختلف عن سائر الأمراض الجسمانية وأن له أصل عضوي وأن أسبابه خارجة عن إرادة المريض. فلا يزال هناك الكثير ممن يعتقدون أن المرض النفسي هو ضعف في الروح وسوء في الخُلُق، وأنه من نصيب الفقراء الجهلة أو الفاسدين المترفين، وأن على المصاب أن يبذل جهداً أكبر للتخلص من مشاعره وأفكاره المريضة. والحقيقة أن المرض النفسي شائع بحيث تكاد لا تخلو أي عائلة ممتدة من مصاب بالمرض النفسي، فإن هذا المرض لا يفرق بين غني وفقير، متعلم وجاهل، قوي وضعيف متدين وغير متدين.

إن الشعور بالوصمة يؤدي بالمريض إلى عدم الاعتراف بمرضه وتأخره في طلب العلاج وقد يدفع بمحيطه الاجتماعي إلى الانفضاض من حوله، كما وأن الوصمة تسبب التمييز وعدم الإنصاف في مناح حياتية كثيرة.

دور الإعلام العربي في نشر التوعية بالأمراض النفسية
كل ما سبق يزيد من عزلة المريض ويعيق شفاءه ويضاعف معاناته في طي السر والكتمان. ساهم الإعلام العربي وعلى مدى سنين طوال في إعطاء صورة غير واقعية، وفي معظم الأحيان سلبية عن الطب النفسي بشكل عام، فاستخدم تصوير المرض النفسي أو المرضى النفسيين لإثارة الرّعب في برامج الدراما، وإثارة الضحك في برامج الكوميديا، مما أدى إلى اختلاط الحقيقة بالخيال والواقعَ بالوهم في ذهن المواطن العربي وارتسمت في وعي العامة صورة مغلوطة للمريض النفسي تثير النفور والخوف والاشمئزاز بدلاً من الرّفق والتعاطف والتفهم، فهنالك الكثير من الأعمال التي تسفّه المرضى وتمسخُ أشخاصهم، وتقدّمهم على أنهم متخلفون عقلياً، عنيفون وخطرون، أما الأطباء والمعالجون الآخرون، فقد تم تقديمهم على أنهم مضطربون ولا يزيدون مرضاهم إلا اضطراباً.

ومن المربك أيضاً الاستخدام الإعلاميّ غير العلمي لأسماء بعض الأمراض مثل مرض الفصام على أنه تعدد الشخصيات، واختراع بعض التشخيصات، مثل “الانهيار العصبي”.

باختصار، يفتقر الإعلام العربي إلى عمل جادٍّ ونافعٍ يساهم في تحسين الصحة النفسية المجتمعية ويخرج المرضى النفسيين وذويهم من عزلتهم، فلا يجدُ الأهالي المحيطَ الآمنَ والمتفهّم للاعتراف بمرضاهم، فيخبئونهم ويخجلون بهم. كل ذلك يضعف الدعم الاجتماعي للمريض النفسي، وهو بمثابة الركيزةٌ الأساسيةٌ للعلاج. كما أن التخويف من، وتسخيف دور العاملين في الرعاية النفسية ينزع من المجتمع الشعور بالاطمئنان إلى نظامٍ صحيٍ فعال وقادرٍ على تقديم المساعدة لهم ولمرضاهم، وفي هذا ترويجٌ غير مباشرٍ لاستشارة بعض الدجالين والسّحرة ومُدّعي الطّبابة بدلاً من الأطباء، وكثيراً ما شهدنا التأثير النفسيّ المدمر الذي يتركه بعض أولئك على المرضى من آلام جسمانية وارتباك نفسي، في النهاية، وعند فقدان الأمل بهذه البدائل الضارّة، يأتي الأهالي بمرضاهم إلى عيادة الطبيب النفسي، وقد ازدادت أعراضهم استفحالاً نتيجةَ تأخير العلاج واستخدام الخداع والغش، واختلاط الغيب بالواقع.

إن الغياب التام للصورة الحقيقية للمرضى الذين يمرّون بأزمات ويتحسنون مع العلاج في الإعلام العربي يؤدي غالباً بالمريض إلى الشعور بالوصمة والسلبية تجاه مرضه وفقدانه الأمل بالشفاء والخروج من محنته.

على الرغم من وجود الكثير مما هو رديء وغير واقعي عن المرض النفسي في الإعلام الغربي، إلا أنه قد نجحت بعض أدوات الإعلام في أوروبا تحديداً بتقديم مساهمة فعالة في عملية النهوض بالصحة النفسية في مجتمعاتهم، وقد اشتمل ذلك على استضافة مهنيين جادّين في مجال الصحة النفسية ليشاركوا الناس بآرائهم وعلمهم، وكذلك تقديم حالات مرضية مشرقة على شاشات التلفزة ليتحدثوا عن أعراضهم المرضية وكيفية التغلب على مرضهم وتقديم أعمال فنية وأدبية تسهم في تصوير واقعي وموضوعي للمرض النفسي.

ونحن أيضا في العالم العربي، بحاجة إلى تحميل الإعلام مسؤوليته في تشكيل آراء الناس ووعيهم الجمعي، ومن ضمنها ما يخصّ موضوع الصحة النفسية، من الضروري تضافر الجهود من أجل مكافحة الوصمة. وللإعلام والخدمات الصحية دور أساسي في محاربة الوصمة وتطوير توجهات مجتمعية أكثر تفهماً نحو المرض النفسي، وذلك عن طريق زيادة التوعية والمعرفة بالمرض النفسي وإدماج المرضى في المجتمع وتوفير فرص الاشتغال في الوظائف العامة قدر المستطاع.

على المريض ألا يتأخر في طلب العلاج ومحاولة البحث عن أجواء اجتماعية متفهة وداعمة فإن لم يجدها في بيته ومكان عمله يجب أن يتم توفيرها له في مراكز الرعاية النفسية المجتمعية. كما يجب على المريض ألا يختزل نفسه بالمرض فبدلاً من أن يقول: “أنا فصامي” أو “أنا مكتئب” يستطيع القول: “أنا أعاني من مرض الفصام” أو “أنا مصاب بالكآبة.” والفرق بين العبارتين أن الأولى تقتصر كينونة المريض على المرض لا غير، بينما الثانية توضح أن المرض جزء من تجارب المريض والذي يستطيع في الوقت ذاته أن يكون صاحب مهنة ورب عائلة وذو رأي وذوق وغير ذلك من الصفات الصحية.
فنحن في علاجنا للمرض النفسي نستغيث ونستثمر بكل القدرات والإمكانيات الصحية لمقاومة تلك المرضية. من الضروري تشجيع المرضى على خوض حملة مكافحة الوصمة عن طريق مراقبة الإعلام وتشجيع الحديث عن تجاربهم الشخصية مع المرض النفسي، خصوصا وأن هناك العديد ممن تم شفاؤهم تماما من المرض أو ممن تمكنوا من العيش بكرامة بالرغم من المرض وإن في الحديث عن قصص النجاح هذه ما يبعث الثقة والأمل في نفوس الكثيرين.