المملكة العربية السعودية – صيدليات تبيع الأدوية بلا وصفة.. جشع وغياب وعي!

يتوجه الكثير من المرضى للصيدليات سواء الحكومية منها أو الأهلية، وذلك من أجل صرف أدوية من دون وصفة طبية والحصول على علاج فوري وسريع واضعين لأنفسهم تشخيصا طبيا لحالتهم الصحية ومحددين نوع العلاج الذي هم بحاجة إليه، فيما يتطلب منهم مراجعة الطبيب للتشخيص السليم وتحديد نوع العلاج لحالتهم الصحية، ورغم ذلك هناك تزايد في التوجه للصيدليات لاقتناء علاج بدون وصفة طبية

ضرورة الوصفة الطبية

أكد د.عبدالخالق السلمان -وكيل كلية الصيدلة بجامعة الحدود الشمالية- سعودية- على أهمية الحصول على الوصفة الطبية، وقال: كما هو معلوم توجد مجموعتان من الأدوية تباع في الصيدلية التجارية، مجموعه لا تصرف إلا بموجب وصفه طبية، ومجموعة تصرف بدون وصفة طبية مثل المسكنات وغيرها، عالمياً في عدة مجتمعات اعتاد المريض للتوجه أولاً للصيدلي لحل مشكلته الصحية البسيطة بالدواء المسموح شراؤه دون وصفة المسمى بال OTC ويقوم الصيدلي بعدها بتوجيه المريض إلى شراء دواء معين أو نصحه بمراجعة الطبيب بعد سؤال المريض بعدة أسئلة محددة تكون إجابتها بمثابة الدليل للصيدلي لنصح المريض بمراجعة الطبيب أولاً دون أخذ دواء معين، ولكن في مجتمعنا يعتاد المواطن والمقيم في حالته المرضية البسيطة والشديدة إلى الرجوع للصيدلية التجارية ويتجنب زيارة الطبيب ويكتفي بالتبضع من الصيدلية التجارية دون وصفة طبية، كالتبضع لحاجات البيت الآخرى، وهذا أمر خطير جدا لما للأدوية من ضرر وسمّية قد تكون مميتة إذا لم تؤخذ الفحوصات المخبرية وغير المخبرية بعين الاعتبار، وهذا الخطأ الجسيم الموجود في رعايتنا الطبية قد يكلفنا حياة وصحة الكثير من الناس، ومن جهة أخرى يكلف الدولة والمواطن الكثير مالياً.

وأشار د.السلمان إلى أن الوصفة الطبية تجنب المريض أن يكون ضحية تجارية وهدفا للربح من خلال شراء أدوية عديدة لا تناسب حالته أحياناً، وجعل الصيدلي هو من يحدد الدواء من الممكن أن يهمل “الوصفة الطبية حماية وبرهان ثمين بأن المريض تم فحصه وبحاجة إلى علاج معين دون غيره، مضيفا أن هناك قوانين وضوابط لصرف الدواء تتطلب وصفة طبية وعدم تطبيق الضوابط ووجود الرقابة بهذا الخصوص هو أحد أسباب التهاون بأخذ دواء دون وصفة طبية.

التنسيق مطلوب

ولفت د.أحمد العامر -صيدلي- أنه هناك ثلاثة تصنيفات من حيث صرف الأدوية، مضيفا: “هناك أدوية تصرف بدون وصفة طبية، وأدوية لا تصرف إلا بوصفة طبية، وأدوية مقيدة لا تصرف إلا بوصفة خاصة، ولا توجد في أغلب الصيدليات كونها تصنف ضمن الأدوية المخدرة، وما يحدث في الصيدليات الخاصة هو تجاوز خطير خاصة في صرف الأدوية التي تتطلب وصفة طبية خصوصاً المضادات الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة”.

وأضاف د.العامر: كثير من المرضى ولكونه يتعالج في أكثر من مؤسسة طبية حكومية أو أهلية ولعدم وجود سجل دوائي مشترك فهو يتوجه للصيدليات الخاصة أيضاً للحصول على دواء قد يكون متوفرا لديه أصلاً من المؤسسة التي يتعالج عندها ولكن باسم تجاري آخر، أو من نفس عائلة الدواء فيحدث تضاعف للجرعة أو تضاد أو سمية، ولا شك أن وجود سجل دوائي مشترك بين المؤسسات الطبية الحكومية والخاصة مهم وضروري لإتاحة الفرصة للطبيب والصيدلي لتفادي مثل هذه الأخطاء.

ومن جانبه شدد د.عاطف لاجامي -صيدلي- على أهمية دور الصيادلة في توعية المجتمع بأهمية الوصفة الطبية على أن يكون الصيدلي عونا على سلامة المريض وأن لا يصرف الأدوية التي تصرف بموجب وصفة طبية من قبل الطبيب بدون وصفة طبية.

الصيدلي ليس بقالاً

ولفت د. علاء الدين إبراهيم -طبيب- أن الأدوية أو العقاقير الطبية هي مواد كيميائية تمت دراستها قبل استعمالها لأغراض محددة وجرعات دقيقة ولمدة معينة وتتم الدراسة عليها ويصرف الملايين والمليارات لإخراج علاج يفيد ملايين البشر، وقال: بحكم عملي كطبيب روماتيزم، أواجه الكثير من المشاكل أبسطها تكاسل المريض عن مراجعة الطبيب المختص أو الذهاب للصيدلي بدون وصفة طبية لصرف ما يعرف بعلاج الطاولة من الصيدلي وتكرار العلاج كذلك بدون المراجعة، إما تكاسلاً أو خوفاً من زيارة الطبيب، حيث يفتخر الكثيرون بأنه عمره لم يزر الطبيب، أو مخافة التكلفة الباهظة للأبحاث الطبية والعلاجات، ومستشفياتنا مليئة بمرضي الفشل الكلوي والنزيف الدموي الناتج عن تعاطي أدوية الروماتيزم، وخصوصاً القديمة وبدون وصفة طبية واستمراره مدى الحياة والكارثة أن المريض، ربما يرتاح لعلاج فيصفه لغيره وهو يعتقد أنه يساعده.

أدوية وصفية ولاوصفية

وأشار خالد السلمان – صيدلي- إلى أن الأدوية تقسم من ناحية الصرف إلى قسمين وهي الأدوية الوصفية والأدوية اللاوصفية، وقال: الأدوية الوصفية هي مجموعة الأدوية التي لا تصرف بواسطة الصيدلي إلا بوجود وصفة طبية صادرة من طبيب مثل المضادات الحيوية والأدوية التي تستخدم لعلاج الأمراض المزمنة كأمراض القلب ومرض السكر وغيرها، وأما الأدوية اللاوصفية وهي التي يمكن للصيدلي صرفها للمريض بدون وصفة طبية وهي المجموعة المسماة عالمياً ب OTC Over the Counter Medicines مثل الأدوية التي تستخدم للحلات المرضية البسيطة والتي لا تستدعي مراجعة الطبيب مثل الصداع والآلام البسيطة الأخرى والسعال والأدوية التي تستخدم للتلبك المعوي كالمغص والحموضة، ومن خلال التعريف والتقسيم يمكن لكل من المريض والصيدلي والطبيب التعرف على حقوقه ومسؤوليته وصلاحيته، فيحق للمريض الحصول على ما يحتاجه من أدوية لعلاج بعض الحلات المرضية البسيطة والقصيرة، كما يعرف الصيدلي مسؤوليته تجاه كل مريض حسب حالته وحسب شرح المريض للأعراض التي يشعر بها، وبالنسبة للطبيب فهو المصرح له بوصف الأدوية الوصفية.

أرقام ودراسات

ويشير السلمان أنه من خلال هذا التقسيم قد تنخفض التكاليف العلاجية وذلك من خلال علاج الحالات البسيطة فقط من خلال زيارة الصيدلية وشرح الأعراض للصيدلي حتى يتمكن من تحديد العلاج المناسب من المجموعة اللاوصفية، وتطرق د.السلمان لبعض الإحصائيات والأرقام المتعلقة بالأدوية التي لا تحتاج لوصفة طبية، وقال: بالنسبة لصرف الأدوية الوصفية بدون وصفة طبية والتي تعد مشكلة مستفحلة في كثير من البلدان ومنها السعودية، فأوضحت دراسة محلية للدكتور صالح باوزير بأن (85%) من الصيادلة يصرفون المضادات الحيوية بدون وصفة طبية ووفقاً لدراسة حديثة نشرت في عام 2013م بأن النسبة زادت إلى (97.9%).

وعن الأسباب التي تستدعي المريض لطلب الأدوية بدون وصفة طبية فأشارت الدراسات أن من بين الأسباب عدم قناعة المريض بضرورة زيارة الطبيب والتي عادة ما يصاحبها تكاليف باهظة، السعي وراء الحصول على الدواء بشكل سريع من الصيدلي مباشرة، ودراسة سعودية  بواسطة د.هشام الجضعي نشرت عام 2015م، وبالنسبة للصيدليات فقد يكون السبب هو خسارة عملائها الذين قد يحصلون على أدويتهم من صيدليات أخرى.

آثار وعواقب

أما عن عواقب صرف الأدوية بدون وصفة فقال: من عواقب استخدام الأدوية بدون وصفة طبية تفاقم الحالة المرضية مثلاً علاج الصداع الناتج من ارتفاع ضغط الدم بالمسكنات فقط يؤدي إلى حصول مضاعفات ارتفاع ضغط الدم بسبب عدم استخدام العلاج المناسب، كما أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية قد ينتج عن مقاومة المكروبات للمضادات الحيوية المتاحة حالياً مما قد يؤدي إلى نقص فعاليتها مستقبلاً وخصوصاً بأنه لا يوجد ابتكار لمضادات حيوية جديدة مما يقلل المضادات الحيوية لعلاج حالات الالتهابات الشديدة.

وحول الأنظمة والعقوبات، أوضح: من ناحية نظامية تفرض وزارة الصحة من خلال تعاميمها عقوبات لصرف الأدوية الوصفية بدون وصفة طبية، إلا أنه لا يوجد تشريع رفيع المستوى يمنع صرف الأدوية بدون وصفة طبية، حيث يتضح جلياً أن تلك العقوبات غير رادعة للعاملين في الصيدليات، وقد أثبتت الدراسات الآنفة الذكر استمرار العاملين في الصيدليات بصرف الأدوية بدون وصفة.

ويؤكد قاسم العبود -صيدلي- أن بين البحث عن الربحية في الصيدليات الخاصة وكسل المريض في عدم الذهاب للطبيب لتشخيص المرض، تبرز لنا على الساحة صرف الأدوية بدون وصفة طبية وقال: خطورة هذه الأدوية تكمن في عدم إلمام الصيدلي بمرض المراجع وملابساته، وقد تكون بوصف أدوية تتعارض مع أمراض أخرى لم يذكرها المراجع أو استخدام المراجع للعلاج استخدام خاطئ، أو استغلال الدواء في استخدامات أخرى غير علاجية  كالإدمان أو استخدام بعض الأعراض الجانبية للعلاج مثل التنويم وغيره.

حل سريع

ويرى ياسر المسعود -صيدلي- أنه لوحظ في الآونة الأخيرة توجه شريحة من الأشخاص للبحث عن الحل السريع دون النظر إلى الحل الأمثل وهو الذهاب إلى المركز الصحي أو أي مستشفى وما يحدده الطبيب من أعراض المرض، وبعد ذلك يحدد ماهية الدواء المناسب مع مراعاة تداخل الأدوية أو تناسبها مع نفس الشخص ان كان يحمل أمراضا مزمنة أو غيرها، وقال: هناك من يشتري أدوية من الصيدليات الخاصة دون وصفة طبية فبذلك لا يكون هناك كشف مسبق معتمد على ملف المريض نفسه وتاريخه الطبي وما حصل عند صرف الأدوية لامرأة حامل مثلا دون المعرفة أن هذا العلاج لا يتناسب مع الحوامل أو دون إخبار الصيدلي أيضاً ولكن لو كان عن طريق وصفة فمن البديهي في قسم محطة التمريض أو عند عيادة الطبيبة أن تُسأل المرأة المتزوجة إن كانت حاملاً أم لا مع معرفة الشهر أيضاً.

وشدد عياد السعدي -طالب في كلية الصيدلة- على وجود بحوث تسلط الضوء على الصيدليات ومشاكلها والبحث عن الحلول المناسبة، مؤكداً أن هناك حاجة برفع مستوى وعي المريض باستخدام الدواء وأهمية شرائه بوصفه طبية، وقد يكون تكاسل المريض عن زيارة المستشفى أو المستوى المادي للمريض وتكاليف الفحص وزيارة الطبيب ما يجعله يتجه إلى الصيدلية مباشرة دون الرجوع للعيادات.

15 – April – 2016