«المضادات الحيوية» سمٌ قاتل من دون «وصفة طبية»

حذرت منظمة الصحة العالمية، من تراجع حاد في أعداد أدوية المضادات الحيوية الجديدة، التي يتم تطويرها لمواجهة ارتفاع مقاومة بعض الطفيليات للمضادات القديمة، وفي تقرير حديث، قالت المنظمة التابعة للأمم المتحدة إن «مقاومة المضادات الحيوية أصبحت حالة طارئة تهدد تطور العلم»، واستشهدت المنظمة بالبكتيريا التي تسبب مرض السل وتقتل نحو ربع مليون شخص كل عام، بعد أن طورت نفسها لمقاومة المضادات الحيوية.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تدروس أدهانوم غبريسوس، إن هناك حاجة ماسة لمزيد من الاستثمار في الأبحاث والتطوير لمواجهة العدوى المقاومة للمضادات الحيوية، بما في ذلك السل، وإلاّ فسنكون مجبرين على العودة إلى الزمن الذي كان الناس فيه يخشون الأمراض المعتادة. وحددت المنظمة 12 فئة من مسببات الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية، من ضمنها بعض الالتهابات الشائعة كالالتهاب الرئوي والتهابات المسالك البولية.
وأشارت إلى أن المضادات الحيوية تعد من أكثر أنواع الأدوية استهلاكاً حول العالم، وهي تأتي بعد مسكنات الألم الاعتيادية التي يتم أخذها لعلاج الصداع وآلام الجسم والبرد وغيرها، ويتجه الكثيرون نحو الاستخدام غير المتوازن وغير المسؤول لتناول المضادات التي تعطي نتائج سلبية لجهة العناية بالصحة، فهي تهدر الصحة والمال في آن عند شرائها من الصيدليات من دون وصفة طبية من طبيب معتمد.

«الخليج» ناقشت آثار التناول العشوائي للمضادات الحيوية على جسم الإنسان مع عدد من الأطباء والمختصين، والذين أكدوا أن استعمال المضادات الحيوية أصبح منتشراً بصورة عشوائية مما يعطي الميكروب مناعة من المضادات؛ فالمريض يحتاج إلى تحديد نوع الميكروب والمضاد الحيوي الذي يقضي عليه، مؤكدين أن للمضادات الحيوية آثارها على الكبد والكلى وجسم الإنسان، ومن وظائف الطبيب اختيار النوعيات التي لا تؤثر على أجهزة الجسم بالإضافة إلى آثارها الاقتصادية فالاستخدام العشوائي لها يؤدي إلى إهدار أموال طائلة على الدولة، وأيضاً على أفراد المجتمع بسبب عدم الوعي بمخاطرها.

التزام الصيدليات

تشريعات جديدة في الإمارات لتنظيم صرف المضادات الحيوية، بحسب د. أمين حسين الأميري الوكيل المساعد لسياسة الصحة العامة والتراخيص، في وزارة الصحة ووقاية المجتمع رئيس اللجنة العليا لليقظة الدوائية بالإمارات، والذي أشار إلى وزارة الصحة ووقاية المجتمع بصدد إصدار تشريعات صحية جديدة لوضع حد للممارسات الخطيرة الناتجة عن صرف المضادات الحيوية من دون وصفة طبية.
وقال: يأتي هذا الإجراء على ضوء التقارير الصادرة من منظمة الصحة العالمية من أن هذا التهديد الخطير لم يعد مجرد تنبؤ؛ بل هو واقع فعلي الآن، كون مقاومة المضادات الحيوية والتي تحصل نتيجة حدوث تغيرات على الجراثيم، فتفقد المضادات الحيوية مفعولها لدى من يحتاجون إليها لعلاج العدوى، بات يشكل الآن تهديداً كبيراً للصحة العامة. وبحسب الأميري، فإن التقارير العالمية أثبتت أن ما بين 50 و80% من الجراثيم أصبحت حالياً لديها مقاومة عنيفة للمضادات الحيوية، ما يؤدي لارتكاس الجهاز المناعي وبالتالي إطالة مدة المرض وصعوبة علاجه وزيادة مخاطر المضاعفات التي قد تؤدي إلى الوفاة (700 ألف شخص سنوياً عالمياً).
وأوضح أن وزارة الصحة ووقاية المجتمع، تدرس حالياً إعداد التشريعات المناسبة لمقاومة الممارسات السلوكية الخاطئة التي تفاقم ظاهرة صرف المضادات الحيوية من دون وصفة طبية، مشيراً إلى أن مشروع القانون الاتحادي الجديد لتنظيم مهنة الصيدلة يتعرض بشكل موسع إلى مسألة الأدوية التي لا ينبغي صرفها إلاّ بوصفة طبية.
وأكد وجوب التزام جميع الصيدليات بالنظم واللوائح والقوانين المنظمة لعمل الصيدلة بالإمارات، فضلاً عن توعية الأطباء في اتجاه ترشيد الوصفة الطبية بحيث لا يكون إلاّ في الحالات الصحية التي تستوجب ذلك وفي حدود الكمية الضرورية للعلاج.
كما ركز على توعية الأفراد عن طريق التثقيف الصحي بأهمية التقيد بالوصفة الطبية، وعدم الانقطاع عن تناول المضاد الحيوي قبل استكمال المدة المحددة من قبل الطبيب حتى وإن أحسّوا بالتحسن نظراً لما لذلك من انعكاسات على تفاقم ظاهرة مقاومة المضاد الحيوي، كما يجب توعية الأفراد بتجنب تناول المضاد الحيوي من دون وصفة طبية.

المشورة الصحيحة

التوعية وتثقيف المجتمع يلعبان دوراً مهمّاً في بث الوعي الصحي لأفراد المجتمع، بهذه الكلمات بدأ محمد عبد الله الزرعوني مدير منطقة الشارقة الطبية: إن وزارة الصحة ووقاية المجتمع، ممثلة في المنطقة، تنظم الأسبوع العالمي للتوعية بالمضادات الحيوية، والذي تحييه منظمة الصحة خلال الفترة من 13 – 19 نوفمبر سنوياً، حيث يسلط الضوء على أن المضادات الحيوية هي مورد ثمين، لذلك من المهم الحصول على المشورة الصحيحة قبل أخذها، والاستخدام المسؤول للمضادات الحيوية يساعد أيضاً على الحد من خطر المقاومة للمضادات الحيوية وتمثل مقاومة المضادات الحيوية تهديداً خطيراً على الصحة العمومية والتنمية البشرية آخذا في التزايد. إذ ترتفع إلى مستويات خطيرة في جميع أنحاء العالم، مما يقوض قدرتنا على علاج الأمراض المعدية ويعرّض الناس في كل مكان للخطر.
وأشار إلى أن الأسبوع العالمي للتوعية بالمضادات الحيوية يهدف إلى زيادة الوعي بهذه المسألة المهمة وتشجيع عامة الناس والعاملين الصحيين والأطباء وصانعي السياسات على تجنب المزيد من حالات نشوء مقاومة المضادات الحيوية وانتشارها.

خطر على الأطفال

من جانبه حذر د.خالد خلفان بن سبت المدير الفني لمستشفى القاسمي للنساء والولادة والأطفال في الشارقة بشدة، من تناول المضادات الحيوية من دون استشارة الطبيب وعدم صرفها من الصيدلية إلاّ بوصفة طبية مع الالتزام بالبروتوكولات العلاجية عند وصفها وفقاً لحالات المرضى، وضرورة الالتزام بالجرعات المحددة ومواعيدها عند استهلاك الدواء، وعدم التوقف عن تناول العلاج عند تحسن الحالة، لأن ذلك يؤدي إلى ظهور البكتيريا مرة أخرى، وقد تكتسب مناعة ضد المضاد الحيوي.
وطالب بعدم إعطاء الأطفال المضادات الحيوية إلاّ في حالة الضرورة القصوى وتحت إشراف طبي، مشدداً على ضرورة ترشيد استعمال المضادات الحيوية وتجنب المخاطر المترتبة على سوء استعمالها وخاصة القدرة المتزايدة للجراثيم على مقاومتها، بما يؤدي إلى فقدان فاعليتها.

تنظيم الصرف

وشدّد د. أنور الحمادي رئيس شعبة الأمراض الجلدية في جمعية الإمارات الطبية، على وجوب تنظيم صرف الأدوية وبالتحديد المضادات الحيوية، وتوقف الصيادلة عن صرفها من دون وصفة طبيّة، وقال في حديثه ل«الخليج» إن منظمة الصحة العالمية تشير سنوياً في تقاريرها، إلى خطورة الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، لافتاً إلى أن وزارة الصحة ووقاية المجتمع تبنت تنفيذ تشريعات جديدة بمنع بيع المضادات الحيوية، وأشار إلى أن يتم تفعيل آلية تنفيذ ومتابعة بيع الأدوية والمضادات تحديداً.
وقال: إن الأهالي يلجؤون إلى استخدام المضادات الحيوية دون إدراك بخطورتها ومضاعفتها، وذلك بسبب ازدحام قسم الطوارئ وطول انتظار مقابلة الطبيب، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص يستمع لاستشارة من صديقه أو جاره، ويلجأ بعدها لاستخدام تلك الوصفة الطبية.
وإن هناك أخطاء شائعة كثيرة عند الأغلبية العظمى من الناس عن طريقة تناول الأدوية ومنها مثلاً عدم إكمال المقرر العلاجي من المضادات الحيوية، كما أن بعض الأشخاص يضاعفون الجرعة اللاحقة في حال نسيان الجرعة السابقة، مشدداً على ضرورة أخذ المضاد في الأوقات المحددة، وبين أهمية توعية أفراد المجتمع بمختلف فئاته والممارسين الصحيين بأهمية الترشيد والاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية، من خلال تنفيذ أنشطة توعوية موسعة في جميع المناطق عبر المنشآت الصحية والأسواق التجارية.

واجب الصيدلي

وقال د.علاء سالم إبراهيم -صيدلاني: إنه لا يمكن صرف أي دواء إلا بوصفة دوائية، ومن واجب الصيدلي التقيد بما هو مدون في الوصفة مع تقديم شرح كاف للمريض عن الدواء مثل كيفية تناوله وعدد الجرعات
وما شابه، ويعتقد أنه لا يترتب على الصيدلي تقديم شرح مفصل عن الدواء إلا إذا كان المريض يستخدم دواء آخر له تفاعلات جانبية مع الدواء الموصوف.
وأشارت د. عبير الحارثي «صيدلانية»، إلى أن الصيدلية لا تصرف المضادات الحيوية إلاّ بوصفة طبية، وأن الصيدلي ليس من مسؤولية عمله تشخيص حالات المرضى بل صرف الدواء الموصوف فقط من قبل الطبيب، وأكدت ضرورة زيادة توعية الجمهور حول حقهم في الاستفسار عن أي دواء من الصيدلي وعدم الاكتفاء بخبرتهم الشخصية؛ لأنها قد تكون خاطئة أو غير كافية.

محدودية العلاج بالمضادات

حذر تقرير جديد صادر من منظمة الصحة العالمية من محدودية العلاج بالمضادات الحيوية نتيجة ما يعرف باسم مقاومة المضادات الحيوية.
وأشار إلى أن تناول الإنسان للعديد من المضادات الحيوية، بسبب أو من دون سبب، أدى إلى تطوير الجسم لمقاومة هذه الأدوية، بمعنى أن تناولها أصبح لا فائدة له.
وأفاد أن هذا الموضوع يزيد من الحمل على شركات الأدوية والصيادلة في الهدف الملح لإنتاج مضادات حيوية جديدة ضد الأمراض المختلفة التي من شأنها أن تقضي على الإنسان.

تسبب «الهلوسة»

توصل باحثون أمريكيون إلى أن تناول المضادات الحيوية، خاصة القوية منها التي تكافح العدوى، قد يكون مرتبطاً باضطرابات خطيرة في وظائف المخ مثل الهذيان، الذي يسبب التشوش الذهني، ويمكن أن يكون مصحوباً بهلاوس أيضاً.
وقال الدكتور شاميك باتاشاريا بجامعة «بوسطن» الأمريكية، إن مرضى الهذيان هم الأكثر عرضة للمعاناة من مضاعفات تناول المضادات الحيوية، خاصة ممن انتقلوا للإقامة في دور رعاية المسنين بدلاً من الذهاب إلى المستشفى، فضلًا عن كونهم الأكثر عرضة للموت مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون من الهذيان.
وأجريت الدراسة على 54 مجموعة من المضادات الحيوية المختلفة من بين 12 فئة مختلفة من المضادات تتراوح ما بين المضادات الحيوية شائعة الاستخدام مثل «سلفوناميدات» و«سيبروفلوكساسين»، والمضادات الحيوية التي يتم أخذها عن طريق الوريد.

صيدليات مخالفة

أغلقت وزارة الصحة ووقاية المجتمع، ثلاث صيدليات في المناطق الشمالية، خلال نهاية أكتوبر الماضي، بسبب مخالفتها النظم واللوائح الصادرة عن الوزارة، من خلال صرفها المضادات الحيوية من دون وصفة طبية، وتم الإغلاق في إطار حرص الوزارة على ترشيد استخدام المضادات الحيوية، وتجنب المخاطر المترتبة عن سوء استعمالها، خصوصاً القدرة المتزايدة للجراثيم على مقاومتها، ما يؤدي إلى فقدان فاعليتها.
وأكد د. أمين حسين الأميري، أن الوزارة وبناءً على التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن ترشيد استخدام المضادات الحيوية، أصدرت التعميم رقم (394) لعام 2015 بهذا الخصوص، موجّهاً إلى مديري المكاتب العلمية وممارسي الرعاية الصحية في القطاع الصحي العام والخاص ومديري الصيدليات والصيادلة المسؤولين في القطاعين العام والخاص، بقصد التنبيه والتحذير من صرف المضادات الحيوية إلا بموجب وصفة طبية، وفقاً للضوابط وأصول ومبادئ مزاولة مهنة الصيدلة.

27 – January – 2018