المضادات الحيوية.. «جرعة الموت»

فى الوقت الذى لا تتوقف فيه تحذيرات المنظمات الطبية العالمية من الإفراط فى استخدام الأدوية، وتحديدا المضادات الحيوية، دون استشارة طبية، تجد الوضع فى الشارع المصرى يسير عكس الاتجاه، فـ»الجيران» يتبادلون الوصفات الطبية كما يتبادلون «وصفات الأكل»، فلم يعد غريبًا أن تجد مواطنا عاديا يصف لجاره أو صديقه مضادا حيويا يصلح لمقاومة «دور برد»، وأصبح معتادا أن يُقدم الصيادلة على صرف «مضاد حيوى» للمرضى دون «روشتة طبية»، وبمرور الأيام تحولت مصر إلى واحدة من أكبر الدول، التى يستهلك مواطنوها «مضادات حيوية» دون استشارة طبية وبإفراط بشكل بات يهدد المجتمع المصرى بكارثة، وكأنهم لا يستعمون إلى تحذيرات منظمة الصحة العالمية من خطورة استخدام المضادات الحيوية وآخرها التحذير الذي صدر منذ أسابيع قليلة

التحذيرات العالمية من خطورة الاستخدام العشوائى للمضادات الحيوية، ليست بعيدة عما يحدث فى مصر، فبشهادة الأطباء هناك إسراف وعشوائية فى استخدام المضادات، بدءا من سهولة صرفها دون روشتة طبية ومرورا بمريض لا يعى جيدا خطورة تناولها دون الخضوع لإشراف طبى يحدد نوع المضاد الحيوى وفترة تناوله أو الجرعة المناسبة، وانتهاء ببعض الأطباء الذين يبادرون بوصف المضاد الحيوى للحصول عن نتيجة سريعة ترضى المريض أو لنقص فى الخبرة والتشخيص.

يحتل مستحضر «فلوموكس» المركز الأول فى سوق المضادات الحيوية من ناحية الكميات التى يتم تداولهابنسبة ٦ فى المائة وبالنسبة للقيمة المادية فيأتى لكن مستحضر «أوجمنتين» فى المقدمة بنسبة ٦ فى المائة من السوق .

لكن فى كل الأحوال فالمضادات الحيوية دائما تحتل مرتبة متقدمة فى استهلاك الأدوية، وهذه طبيعة الأسواق فى دول العالم الثالث ومنها مصر».. الدكتور أسامة رستم، نائب رئيس غرفة صناعة الدواء ذلك بأنه يرتبط بمستويات ودرجة التلوث، أو بدرجة تطبيق إجراءات مكافحة العدوى بالمستشفيات، وحتى طبيعة تعامل الأفراد العاديين مع الحالات المرضية وزيادة فرص انتشار العدوى.

فكلما اتجهنا نحو الدول الأكثر تقدما من دول أوربا وأمريكا نجد أن المضادات الحيوية لا تحتل مكانة متقدمة فى جدول قوائم مبيعات الأدوية،ويأتى فى المكان المتقدم الأدوية التى تساعد فى نوعية تحسين الحياة مثل أدوية السرطان أو السكر أو ألزهايمر، لكن فى دول العالم النامى نجد أن المريض الذى تجرى له جراحة يخرج من العملية يوضع على مضاد حيوى لتجنب الإصابة البكتيرية، فى حين أنه فى دول مثل أوربا وأمريكا قد يجرى المريض الجراحة ولايستخدم مضاد حيوى قبل أو بعد العملية، لأنها أجريت فى جو بلا عدوى، ويعطى المريض لديهم مضادات حيوية فى حالات جراحات الجهاز الهضمى، لكن فى مصر إعطاء المضادات الحيوية أصبح أشبه بالروتين، لذا نجد معدل استهلاك المضادات الحيوية مرتفع مثل بقية دول العالم الثالث، المشكلة أن سوء الاستخدام وهو منتشر لدينا للأسف فى مصر يؤدى إلى تكوين سلالات من البكتيريا التى تقاوم المضادات الحيوية، فنسعى دائما لاكتشاف مضادات حيوية أقوى وبالتالى أغلى، كى نتغلب على السلالات، التى تقاوم المضادات الحيوية الموجودة، وفى الخارج نتيجة أن الإصابات البكتيرية، أصبحت لا تمثل مشكلة كبيرة، كما كانت قبل ذلك، فإن اكتشاف المضادات الحيوية لم يعد له أولوية مثلما كان الأمر قبل ذلك، بمعنى أنه فى أوربا وأمريكا فى سنوات سابقة كانت الأبحاث الموجهة للمضادات الحيوية لها الأولوية، لأنه كانت لديهم مشكلات حقيقية خاصة الحروب ولديهم إصابات وعمليات بتر وجروح، لكن عندما انتهت هذه المشكلات وما وصلوا له من تقدم، تراجع الاعتماد على المضادات الحيوية، بل أصبحت مراكز الأبحاث نفسها لا تركز على المضادات الحيوية، والأنواع الحديثة لم تعد بكثرة كما كانت قبل ذلك والاكتشافات الحديثة قليلة، وبالتالى كلما حافظنا على المضادات الحيوية الموجودة ولا نسيء استخدامها، لن نصل لمرحلة مقاومة المضادات الموجودة، لأن مقاومة المضادات الموجودة يتبعها بحث عن بديل أقوى وأغلى وقد تكون له آثار جانبية أكثر، ومع الوقت وسوء الاستخدام أيضا نفقد سلاحا مهما فى محاربة الإصابات البكتيرية.

الدكتور اسامة يؤكد أن «المضادات الحيوية» فى قائمة «استهلاك المصريين للدواء»،وتسبقها أدوية الجهاز الهضمي، وتصل قيمتها المادية إلى نحو ٧.٥ مليار جنيها سنويا، وهذا معناه أن حصة المضادات الحيوية من إجمالى السوق الدوائى المصرى نحو ١٥.٦ فى المائة، وهذه نسبة كبيرة، مع الأخذ فى الاعتبار أنها لا تشمل مايتداول من مضادات حيوية فى القطاع الحكومى ووزارة الصحة أو التأمين الصحي، حيث إن استهلاك القطاع الحكومى من جامعات وتأمين صحى وهيئات ومستشفيات تابعة لوزارة الصحة من الأدوية عموما نحو ١٥ إلى ٢٠ مليار جنيه، وبإضافة هذا الرقم لقيمة سوق القطاع الخاص يصبح إجمالى سوق الدواء نحو ٦٨ مليار جنيه سنويا.

«المضادات الحيوية الأكثر مبيعا هى المضادات الحيوية الأكثر انتشارا وليست المضادات النادرة أو الجديدة أو القوية، ويتم تداولها إما بوصفة طبية أو إرشادات صيدلى أو نصيحة مواطن لآخر وفى مقدمتها ثلاث مجموعات من المضادات الحيوية تمثل حوالى ٨٣ فى المائة من إجمالى سوق المضادات الحيوية، تسمىمضادات حيوية واسعة الطيف أى تعمل على مجموعة واسعة من الإصابات البكتيرية والميكروبات فى مختلف أجهزة الجسم، أولها مجموعة سفالوسبورين بنسبة ٤٤ فى المائة من إجمالى المضادات الحيوية، والثانية مجموعة البنسلين بنسبة ٣٣ فى المائة، وهى منتشرة انتشارا كبيرا وبدأت أنواع من البكتيريا تقاومها وتُكون مناعة ضدها، فكانت لدينا أنوع من هذه المجموعة فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كانت أكثرانتشارا، لكنها حاليا غير موجودة أو لا يصفها الأطباء بعد أن تكونت سلالات تقاومها.

المجموعة الثالثة هى الماكروليد بنسبة ٦ فى المائة من إجمالى المضادات الحيوية، وكل هذه النسب حسب الكميات، وبالنسبة للنسب بالقيمة المادية الوضع لا يختلف كثيرا، فمجموعة «سفالوسبورين» الأكثر بنسبة ٣٧ فى المائة من إجمالى القيمة المادية لمبيعات المضادات الحيوية، ثم البنسلين بنسبة ٣٣ فى المائة والماكروليد نحو ٨ فى المائة، وهذا معناه أن المجموعات الثلاث سواء بالكمية أو القيمة المادية يمثلون المضادات الحيوية الأكثر استخداما فى السوق المصري.

الغالبية العظمى من المضادات الحيوية الأكثر انتشار محلية الصنع، فى مقابل ٤ فى المائة أو ٥ فى المائة للمستورد من حيث الكميات، فمعظمها يتم تصنيعه فى مصر سواء شركات قطاع أعمال أو الشركة القابضة أو شركات أجنبية تمتلك مصانع فى مصر، وأول شركة لها نسبة كبيرة من المضادات الحيوية بالكميات هى شركة ايبكو، تليها شركة جلاكسو سميث كلاين، إم يو بي، ثم فاركو، آمون، نوفارتس، فايزر، راميدا، الحكمة، سانوفي، ثم بقية الشركات تمثل نحو ٢٠ فى المائة، بمعنى أن العشر شركات الأولى تمثل نحو ٨٠ فى المائةمن إجمالى سوق المضادات الحيوية، الوضع يختلف عندما ننظر لها من حيث القيمة المادية لأن منتجات الشركات الأجنبية يكون سعرها أغلى لتصبح شركة جلاكسو سميث كلاين الأولى من حيث القيمة المادية من إجمالى مبيعات المضادات الحيوية، ثم ايبكو، ثم آمون، نوفارتس، ثم فاركو، ثم الحكمة، تليها فايزر ثم المهن الطبية، ثم سانوفى، تليها راميدا، لتمثل العشر شركات نحو ٧٧ فى المائة من سوق المضادات الحيوية، ثم باقى الشركات وعددهم ١٤٤ شركة تحتل فقط ٢٣ فى المائة من إجمالى سوق المضادات الحيوية، فيقدر إجمالى عدد الشركات، التى تعمل فى سوق المضادات الحيوية نحو ١٥٤ شركة.

وأكد، نائب رئيس غرفة صناعة الدواء، أن مستحضر فلوموكس يحتل المركز الأول من ناحية الكميات بنسبة ٦ فى المائة من سوق المضادات الحيوية، ونفس النسبة لمستحضر سيفوتاكس، يليه مستحضر يونيكتام بنسبة ٥.٥ فى المائة، ثم زيروكثان ٣ فى المائة، ونفس النسبة لمستحضر سيفاتركسون، ومن الناحية المادية يأتى مستحضر الأوجمنتين فى المقدمة بنسبة ٦ فى المائة من السوق، ثم مستحضر آخر مثل الاوجمنتين يصنع فى شركة أخرى هو «هاى بيوتيك» بنسبة ٥.٥ فى المائة، سيفاتركسون بنسبة ٤ فى المائة، يليه كيورام وهو مثل الأوجمنتين.

وكشف أيضًا أنه بالنسبة لنوعية المضاد الحيوى سواء حقنا أو عن طريق الفم، فإنه من حيث الكمية فـ»الحقن» تمثل نحو ٥١ فى المائة من السوق، والمضادات الحيوية عن طريق الفم تمثل ٤٩ فى المائة، وبالنسبة للقيمة المادية فالمضادات الحيوية، التى تؤخذ عن طريق الفم تمثل ٦٣ فى المائة، وعن طريق الحقن تمثل نحو ٣٧ فى المائة .

وأضاف: المواد الخام للمضادات الحيوية مستوردة وغالبًا من دول من الصين والهند، وحاليا تجرى دراسات لمعرفة جدوى تصنيع المواد الخام داخل مصر، فلدينا الكفاءات والإمكانات، لكن المسألة هى الجدوى الاقتصادية نستطيع على منافسة الأدوية المستورد، لأنه هناك ١٥٤ شركة منها شركات مصنعة ومنهامستوردة، وهذا الرقم يتماشى مع عدد المصانع العاملة فى سوق الدواء عموما، ولدينا كذلك ألفا شركة تصنيع لدى الغير ومن النادر أن نجد مصنعا لا يكون المضاد الحيوى ضمن منتجاته، نتيجة الإقبال عليه والانتشار وسوقه المتسع.

من جهته قال الدكتور محمد عوض تاج الدين، أستاذ الأمراض الصدرية بكلية الطب جامعة عين شمس، وزير الصحة الأسبق: المضادات الحيوية نعمة من الله وهبها للعلماء كى تقى الإنسان مشاكل لا حصر لها من الالتهابات البكتيرية أو الفطرية، وعندما تم اكتشاف البنسلين كأول مضاد حيوى كان بمثابة ثورة عظيمة فى عالم الطب أنقذ ملايين المرضي، وكل مضاد حيوى يعمل بطريقة معينة، لكى يؤثر على الجراثيم أو البكتيريا أو الفطريات بطريقة معينة، ولكن استخدامها دون ضوابط وبجرعات غير مناسبة ولمدة زمنية غير مناسبة، وفىغير موضعها يُعجل باكتساب الميكروبات مناعة ضد المضادات الحيوية، ولهذا السبب المضادات الحيوية يجب أن تؤخذ بحرص شديد جدا، والمريض يجب ألا يأخذ مضادا حيويا إلا بوصفة طبية، فعلى سبيل المثل لدينا فى الجمعية المصرية لأمراض الصدر والتدرن لدينا خريطة واستراتيجيات لعلاج التهاب الجهاز التنفسي، تحدد كل نوع من الالتهاب سواء فى الجهاز التنفسى العلوى أو السفلي، وما هى أنواع الجراثيم الأكثر انتشارا فى مجتمعنا، والمضادات الحيوية التى تؤثر فى هذه الجراثيم والالتهابات، لأنه حتى لو هناك التهابات فى الرئة فما يعالج فى المنزل يختلف عن الذى يعالج فى المستشفى، أو الموجود فى الرعاية المركزة، ولهذا فإختيار المضاد الحيوى المناسب للحالة المناسبة يعجل بالشفاء ويقلل من فرص عدم استجابة المريض للعلاج، ويقلل من اكتساب الجراثيم والميكروبات مناعة ضد هذه المضادات الحيوية،

تاج الدين يعترف بأننا لدينا إسراف مؤكد فى تناول المضادات الحيوية، ليس هذا فحسب لكننا لدينا أيضا سوء استخدام، فإذا لم يتناول المريض المضاد المناسب، بالجرعة المناسبة بالمدة المناسبة، الجراثيم تكتسبمناعة والمرض لا يشفى، فأى خلل فى هذه الحلقات يؤدى إلى سوء الاستخدام، فالاستخدام العشوائى للمضادات الحيوية- وهذه مشكلة نعانى منها فى مصر- يكلف المريض، بل ويكلف الدولة، ويجعل الجراثيم تكتسب مناعة فلا تتأثر بعد ذلك، لذا نؤكد ألا يأخذ المريض مضادا حيويا بدون وصفة طبية وبجرعات محددة ولمدة محددة.

مرض الدرن على سبيل المثال- بحسب د. عوض تاج الدين- توجد استجابة للعلاج منه في مصر ويوجد نجاح كبير للبرنامج القومى لمكافحة الدرن، وحققنا نتائج جيدة على مستوى العالم، وهذا يتحقق بالاكتشاف المبكر والعلاج الصحيح، لكن جراثيم الدرن تحتاج علاج لفترة طويلة وأقصر مدة لا تقل عن ستة أشهر وأكثر من دواءتؤخذ فى وقت واحد، فتوجد أربعة أدوية تؤخذ لمدة شهرين، ثم دوائيين لمدة أربعة أشهر وقد تطول المدة قليلا، وعدم تناول المريض الدواء بالجرعات المناسبة والمدة المناسبة مع الأدوية الأخرى يعجل بأن تكتسب جراثيم الدرن مناعة ضد المضادات الحيوية، وفى كل الأحوال لا توجد معدلات شفاء ١٠٠ فى المائة، هناك جراثيم تقاوم المضاد الحيوى، نتيجة اكتسابها مناعة ناتجة عن سوء استخدام المضادات الحيوية، وبالتالى أصبحت لا تتأثر بالمضادات الحيوية التقليدية الأقل ثمنا وتكلفة وأقل آثار جانبية، وهو ما يدفعنا للجوء إلىمضادات أخرى ذات آثار جانبية عالية وتكلفتها عالية جدا وتحتاج فترة علاج لمدة أطول .

وزير الصحة الأسبق، شدد على أهمية اتباع الارشادات والقواعد العلمية الموضوعة من قبل الجمعيات العلمية والطبية، وتطبيقها فى كل المواقع الطبية والمؤسسات والهيئات، وأضاف: الجمعيات العلمية تُمثل فيها كل الجهات التى تعالج المرضى ويسجل فيها أطباء وتمريض وهم يطلعون على القواعد والاستراتيجيات ويطبقونها، وكثيرا ما تخرج تحذيرات من الجمعيات العلمية لخطورة الاستخدام العشوائى للمضادات الحيوية، وهو موجود فى مختلف التخصصات إلا أن أشهرهم الاستخدام العشوائى فى التهابات الجهاز التنفسى، فأى مريض يشعر بالبرد والرشح والعطس يأخذ مضاد حيوى يومين مثلا،، وبالتالى تحمل تكلفة دون داع، ثانيا أخذه لمدة غير كافية يكسب الجراثيم مناعة وعندما يكون فى حاجة فعلية لمضاد الحيوى قد لا يفيده، ومن سوء الاستخدام أن المريض قد يعانى من حساسية من نوع معين».

د. عاصم الشريف، أستاذ أمراض الباطنة والجهاز الهضمى بكلية الطب، جامعة الأزهر: يري أن إنتاج المضادات الحيوية يتم بصورة كبيرة جدا وأكثر من الاحتياج الفعلى، فتوجد شركات كثيرة تنتج مضادات كثيرة، ونجد أن نفس المادة الفعالة تنتج بأسماء تجارية مختلفة، والإنتاج كبير لأن مصر من أكبر الدول المستهلكة للمضادات الحيوية، لأنه هناك سوء استخدام بأكثر من ناحية، بداية من المرضى، فالشخص يأخذ المضاد الحيوى من الصيدليات دون وصف طبي، سواء كان فى حاجة له من عدمه، أو سوء استخدام من قبل بعض الأطباء، فتوجد كثير من المستوصفات والمراكز الطبية فى المساجد وبعض العيادات فى القرى، نجد فيها أطباء حديثى التخرج أو ممارسا عاما، أو حتى الأطباء فى المستشفيات أو الهيئات يكون عليهم ضغط كبير من المرضى فأى شخص يشكو من شيء يصف له مضادا حيويا دون فحص جيد لعدم وجود وقت كاف لكثرة عدد المرضى.

«د. عاصم» حذر من الاستعمال العشوائى لـ»المضادات الحيوية» فى غير موضعها الصحيح، لانه قد يؤدى إلىعدم استجابة العدوى البكتيرية للمضاد الحيوى لأن بعض البكتيريا تأخذ مناعة وتقاوم مفعول المضاد الحيوي، وهناك أفراد فى المجتمع بمجرد شعورهم بارتفاع فى درجة الحرارة، يسارعون بتناول مضادات حيوية دونمعرفة السبب الحقيقى للحرارة، وعند الشعور بالتحسن يتوقف الواحد منهم عن تناوله دون استكمال الجرعة أو المدة المحددة، وهذا فى حد ذاته سوء استخدام، ويزيد مستقبلا من فرص عدم استجابة الميكروبات للمضادات الحيوية، فعلى سبيل المثال من مصر من أكبر الدول المستهلكة لمركبات مترونيدازول مثل «الفلاجيل» ويستخدم كمضاد حيوى ومضاد للأميبا، فكثير من المرضى عند المعاناة من إسهال أو مغض أو غازات أو الحموضة أو الانتفاخ حتى قرح الفم، يسارع باستعمال هذا العقار حتى دون استشارة الطبيب، ولهذا السبب عندما نحتاج هذا المركب فى بعض الالتهابات البكتيرية على سبيل المثال الميكروب الحلزونى، الذى يصيب المعدة ويؤدى فى بعض الأحيان إلى قرح المعدة والاثنى عشر فنجد أن الميكروب الحلزونى لا يستجيب لهذا المركب لأنه من كثرة استعمال المركب بداع أو فى كثير من الأحيان بدون داع جعل الميكروب يكتسب مقاومة، مع العلم أن قرحة المعدة والانثى من الحالات المنتشرة كثيرا فى مصر .

وفيما يتعلق بالآثار الجانبية الناتجة عن سوء استهلاك المضادات قال «د.عاصم»: الآثار الجانبية كثيرة جدا،ومن الممكن أن يصل تأثيرها لمختلف أعضاء الجسم، فأغلب المضادات التى تؤخذ عن طريق الفم تؤدى فى بعض الأحيان إلى سوء هضم وانتفاخ وإسهال وغثيان، كما أنها قد تؤثر على الكلى ووظائف الكلى وارتفاع نسبة الكرياتينين والبولينا، لأن كثيرا من المضادات الحيوية تفرز عن طريق الكلى، أيضا قد تؤدى إلى ارتفاع فى أنزيمات الكبد ومعدل الصفراء، فمثلا «ريمكتان» المستعمل كمضاد حيوى ضد ميكروب الدرن أحيانا يؤدى إلى التهاب كبدى مزمن نشط، وبعض المضادات الحيوية قد تؤثر على عصب الأذن وخلل فى السمع، وقد تؤثر على النخاع العظمى فى حالات كثيرة وتؤدى إلى أنيميا ونقصان كبير فى كرات الدم البيضاء وخلل فى المناعة.

وتابع: المشكلة أيضا أن عدم استخدام المضاد الحيوى بالشكل الأمثل من حيث الجرعة والمدة، قد يؤدى إلى تحور فى الميكروب، وعندئذ لا يستجيب للمضاد الحيوى، الذى كان يستجيب له قبل التحور، وأنصح المريض بعدم الإسراع فى استخدام مضاد حيوى دون استشارة الطبيب، ويجب أن يلتزم المريض باستكمال الجرعةالمحددة، وأنصح الأطباء كذلك بعدم المبادرة ووصف المضادات الحيوية بشكل متسرع فالمضاد الحيوى لا يُعطى للوقاية، لكن يعطى بالتشخيص الصحيح، أيضا من المهم أيضا إذا تردد على الطبيب مريض وكان قد بدأ علاجه مع طبيب آخر ووصف له مضادا حيويا فلا يغير الطبيب المضاد الحيوى لمجرد التغيير فإذا ما وجده مناسبا للحالة فليستمر عليه حتى يكمل جرعته ومدته.

فى حين قال الدكتور جمال سعدي، أستاذ الكلى بقصر العيني، رئيس الجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكلى: للأسف هناك إسراف شديد فى استخدام المضادات الحيوية، فأى مريض يمكنه شراء مضاد حيوى دون روشتة، حتى الصيدلى نفسه من الممكن أن يصف للمريض نوع مضاد حيوي، ويجب علينا إدارك أن الإسراف فى تناول المضادات الحيوية له أكثر من عامل، فأولا تحدث مقاومة من بكتيريا للمضاد الحيوى وتضعف استجابة الالتهابات له، وثانيا تناول المضادات الحيوية بجرعات غير مقننة أو زائدة عن المطلوب أو عدم مناسبتها لوزن وسن المريض يؤدى إلى تراكم كميات منها فى الدم، وقد تؤدى إلى تسمم فى أنسجة الكبد والكلي، وثالثا هناك أنواع من المضادات الحيوية لها تأثير مباشر على أنابيب الكلى وتحدث تلفا بها، وترتفع نسبة الخطورة لو حدث واستخدمت المضادات الحيوية مع مريض يعانى من قصور فى الكلى، حيث إن الأمر من الممكن أن ينتهى إلى الإصابة بفشل كلوى.

بالنسبة لتأثير المضادات الحيوية وارتباطه بالسن قال «د. سعدي»: بالنسبة لكبار السن فوق الـ٦٠ يكون تأثيرهاأقوى وأسرع فى حدوث قصور الكلى، وبالنسبة للأطفال توجد مجموعات من المضادات الحيوية لا تعطى لهم إلا بإشراف متخصص مباشر، وفى حالات اضطرارية، فليست كل المضادات الحيوية تستخدم معهم.

التحذير من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية- بحسب د. جمال سعدي- يتطلب عدة أمور، منها التوعية بخطورة الإسراف فى تناولها، والتأكيد على ضرورة تناولها وفق روشتة أو إشراف طبي، إضافة إلى أهمية التشديد على مسألة صرف الأدوية من الصيدليات ولا يتم صرف مضاد حيوى بدون وصفة طبية فهذه قضية مهمة جدا ترتبط بسوق الأدوية، وبالنسبة للتعامل فى المستشفيات فيوجد تخصص «كلينكال فارما كولوجي» أو الصيدلة الإكلينيكية فيكون دارسا للجرعات وتأثيرها ويراجع الصيدلى مع الطبيب الجرعات وتأثيرها ووظائف الكلى والكبد، وهذا التخصص بدأ ينتشر فى بعض المستشفيات ويجب أن يعمم لأهميته».

28 – November – 2017