الصيادلة بين المهنة والتجارة

د. محمود محمد بترجي

الصيدلي وهو الشخص المختص في علم الصيدلة. و دورهم التقليدي يتمثل في صرف الأدوية المكتوبة في الوصفات الطبية من الأطباء المختصين وتبيان الآثار الجانبية للعقاقير,وقد كان الصيدلي في الماضي أقرب مايكون طبيبا أو حكيما ,فقد كان يشخص الحالة ويقرر أسلوب العلاج الأمثل ويركب الدواء ,اليوم بعد التطور الهائل في المجال الطبي باتت الصيدلة جزءاً مهماً في معادلة التنمية الصحية وانتشارها، فكلما اتسعت دائرة الخدمات الصحية فلا بد أن يقابله اتساع موازٍ لها في الخدمات الصيدلانية وهذا ما يقتضيه ارتباط تلك الخدمات ببعضها.
إلا أن واقع الحال يوضح الخلل الحاصل في هذه المعادلة , فالنهضة التي يشهدها القطاع الصحي بالمملكة سواء الأهلي أو الحكومي من ناحية الكم خاصة , لا تتوافق معه الخدمات الصيدلانية حيث ما يزال هذا القطاع عاجزاً عن تغطية هذه النهضة أو مواكبتها والسبب في ذلك ما يعانيه ذلك القطاع من نقص شديد في عدد الصيادلة السعوديين .
فعدد الصيادلة السعوديين لا يتعدى 2000 صيدلي معظمهم يعمل في وزارة الصحة وأن معدل ما يتخرج من جامعاتنا سنوياً يقارب الـ 100 صيدلي في حين أن هذا القطاع يحتاج إلى ما بين عشرين ألفا إلى ثلاثين ألف صيدلي , فكيف يتوافق ذلك مع ما لدينا من عجز في عدد الصيادلة السعوديين وهو ما تحدثنا عنه مرارا وتكرارا بعدم مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل، وهي ظاهرة تظهر بشكل واضح في عدد الصيادلة الذين يتخرجون كل عام من كليات الصيدلة مع احتياج سوق العمل لأكثر من تلك الأعداد بكثير ، فهو عدد لا يلبي حاجة السوق, ومع ذلك كان قرار وزارة الصحة بإلزام أصحاب الصيدليات ومخازن الأدوية أو المتقدمين لها بضرورة وجود صيدلي سعودي كمدير أو شريك للموافقة على طلب فتح صيدلية , وحيث أن الصيدلي السعودي بات ومازال “نادرا” فما كان من الوزارة إلا أن جعلت منه ورقة جوكر, فهو يستطيع أن يستخدم ترخيصه في فتح خمس صيدليات نظرا لندرته كما أشرنا مما جعل من مهنة الصيدلة تجارة ومتاجرة وفقدت أهدافها النبيلة, فأصبح الصيدلي السعودي يقدم ترخيصه لمن يرغب في افتتاح صيدلية ويقبض الأجر مقابل ذلك وهو يداوم من “منازلهم” ، مما جعل من الصيدلي السعودي “بدون تعميم” إتكالي , إستغلالي , فهو يقبض عشرين ألف ريال شهريا دون تعب أو جهد وهو نائم في منزله لا يعمل.
لذا فنحن نتطلع وفي ظل حقبة الوزير الجديد أن تتم مراجعة شاملة لهذا النظام والأنظمة الأخرى, وفي جعبتنا الكثير من الأخطاء الفنية (إن جاز التعبير) في نظام الإجراءات والتي تعتمد عليه الوزارة , فهناك هدف وهناك هدف أسمى وهناك واقع ,وفي حالتنا هذه هدفنا وهو إيجاد عمل للصيدلي السعودي أما الهدف الأسمى هو إيجاد عمل حقيقي للمواطن وتنمية قطاع الأعمال ولكن الواقع أن الصيدلي السعودي مطلوب ولكنه غير متوفر ,وبقدر ما يكون هناك توازن بين الأهمية النسبية للمدخلات بقدر ما تكون النتائج أكثر إيجابية وتظهر جليا في المخرجات .

Leave a Reply