السودان – صيادلة يهاجمون قرار تفتيش الصيدليات عفواً.. هذا الدواء لا يمكن الوصول إليه حالياً

كشف صيادلة عن كارثة انعدام العديد من أصناف الدواء بصيدليات ولاية الخرطوم، وأرجعوا ذلك إلى تخزين الدواء من قبل الشركات التي أوصدت أبوابها واحتجبت عن تزويد الصيدليات بأي أدوية جديدة منذ بداية ديسمبر الماضي، وأشاروا إلى أن أصحابها فضلوا الجلوس بالمنازل لحين زيادة سعر الصرف، وأكدوا أن أسعار الأدوية ظلت ثابتة ولم تطرأ عليها أية زيادات منذ نهاية العام الماضي، وانتقد أصحاب الصيدليات الخاصة خلال حديثهم لـ(الصيحة) الحملات التفتيشية التي نفذتها حماية المستهلك على الصيدليات مؤخراً، واعتبروا ذلك تشويه لسمعتهم في وقت تعلم فيه الجهات الصحية المختصة أسباب المشكلة الأساسية التي تواجه القطاع .
تأثير نفسي:
على إثر ذلك توجهنا نحو عدد من الصيدليات بمحلية الخرطوم للاقتراب من الحقيقة ومعرفة ما يحدث في سوق الدواء، حيث رصدت كاميرا (الصحيفة) حالات لعدد من المرضى داخل بعض الصيدليات، وهم في حيرة من أمرهم، منهم من أعياهم عناء البحث عن الدواء، وآخر يشكو التضارب غير المبرر في الأسعار، فيما اشتكى آخرون من شح بعض الأدوية والتي لا يوجد البديل لها، كما اتضح انعدام كامل لأدوية الضغط وسيولة الدم (الإسبرين) والبنادول، إلى جانب علاج الكهرباء الزائدة (الصرع)، وغيرهم من العلاجات التي يحتاج المريض تناولها بشكل يومي، وقد أبدى المواطنون استياءهم من هذا الوضع الذي وصفوه بغير المفهوم وتشوبه الضبابية، وأكدوا انعكاس ذلك على حالتهم النفسية والصحية.
دواء الصرع:
ويقول المواطن (أيوب الخير) الذي التقيناه أمام إحدى الصيدليات الواقعة جنوب مستشفى (الزيتونة)، إنه قضى اليوم بأكمله يجوب الصيدليات مشياً على الأقدام بحثاً عن أدوية (الصرع) لشقيقه المريض، إلى جانب فيتامين (ب) لوالدته المصابة بالتهاب في كرويات الدم البيضاء ولم يجدهما في أية صيدلية، ومازال يحمل الروشتة العلاجية في يده على أمل العثور على العلاج في صيدليات أخرى ولو كلفه ذلك الملايين، وأثناء حديثه أشار إليه أحد الصيادلة بالتوجه إلى صيدلية (محمد سعيد) بأم درمان ربما يجد فيها الدواء، وطالب (أيوب) بمعالجة مشكلة الدواء لأن المريض لا يستطيع تحمل الألم لحين أن تجد الدولة حلولاً.
حالة يأس:
وقبل مغادرتنا تلك الصيدلية، حضر المواطن (محمد أحمد) حاملاً وصفة علاجية (روشتة)، وهو مصاب بطفح جلدي حاد في وجهه، ويبدو عليه اليأس من شدة البحث، يقول إنه ظل طوال الفترة النهارية متجولاً بين الصيدليات لشراء دواء (تاكوس) الذي وصفه الطبيب لعلاج الحالة، ولكنه لم يعثر عليه، أفاد (الصيحة) بأنه توجه لعدد من الصيدليات بـ(أم درمان ـ وبحري ـ والخرطوم) ولم يحصل حتى على البديل منه، مشيرا إلى وجود شح في أدوية التأمين الصحي منذ أربعة أشهر، ووصف هذا الأمر بالخطير في ظل الظروف الحالية، نظراً لأن المرضى المؤمن عليهم تركوا بطاقة التأمين جانباً وأضحوا يتحملون تكلفة الدواء كاملة.
تفاوت في السعر:
فيما أبدى المواطن (عيسى أحمد عثمان ) انزعاجه لتفاوت أسعار الدواء من صيدلية إلى أخرى، وقال: إنه مصاب بداء (القاوت) وقد قام بشراء الدواء المخصص لعلاج المرض من إحدى الصيدليات بالسوق الشعبي الخرطوم قبل أسبوع بسعر (8) جنيهات فقط، وبعد نفاذه الكمية قصد واحدة من الصيدليات بوسط الخرطوم، فوجد سعر الشريط الواحد من الدواء بـ(13) ثلاثة عشر) جنيهاً، ولا يدري سبباً مباشراً لتضارب الأسعار في الصنف الواحد من الدواء بين الصيدليات، وتساءل عبر الصحيفة إلى متى يستمر الوضع بهذا الشكل.. وإلى متى يتحمل المستهلك فوق طاقته؟!!
أهمية الوعي:
بعد الانتهاء من إفادات المرضى والمواطنين توجهت باستفسار الصيادلة عن الأسعار والأدوية المنعدمة، حيث امتنع عدد منهم عن التحدث للصحيفة باعتبار حساسية الوضع، وأفادوا بأن الظروف لا تسمح بالحديث عن الدواء الذي أصبح ملفه من أخطر الملفات، وبعضهم يخشى الأجهزة الأمنية والسلطات الصحية بأن تقوم بإغلاق صيدلياتهم، لكنهم أكدوا عدم وجود أي تضارب في أسعار الدواء، موضحين أن اختلاف السعر حسب دولة المنشأ والجودة، واختلاف الصناعات من شركة إلى أخرى وأن مسألة فرق السعر أمر طبيعي طالما أن هناك دواء سودانياً وآخر مصري وثالث أمريكي وهكذا، ودعوا إلى ضرورة وعي المستهلك لمثل هذه الفروقات حتى لا توجه أصابع التهم للصيادلة بأنهم يتلاعبون في السعر مع ضرورة معرفة أن الدواء لا يصنع في مكان واحد.
ثلاثة تفسيرات:
وفي ذات الجانب ضم عدد من الصيادلة العاملين في القطاع الخاص صوتهم إلى الأصوات السابقة التي انتقدت الحملات التفتيشية لضبط الأسعار بالصيدليات والتي نفذتها حماية المستهلك برعاية الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، وفي هذا الشأن وصف دكتور (خالد ود النور) طبيب صيدلي ما ذكره وزير الصحة الاتحادي فيما يتعلق بزيادة سعر الدواء من قبل الصيدليات التجارية، بالأمر (المعيب والمخجل) ولا يليق بالوزير حسب قوله، وأضاف قائلاً إن حماية المستهلك لا علاقة لها بالدواء (لا من بعيد ولا قريب) ، وقدم ثلاثة تفسيرات للحملات التفتيشية وهي إما وزارة الصحة غير قادرة على تحمل مسؤولياتها والسيطرة على الدواء، أو أن قانون الصيدلة والسموم ضعيف جداً، أو أن الدولة تحاول البحث عن مخرج للأزمة بتوجيه التهم لأصحاب الصيدليات الذين أصبحوا في (وش المدفع).
التاثير السلبي:
ويواصل د. (خالد) حديثه موضحاً أن الحملة جاءت في الوقت الذي تعلم فيه الحكومة أن شركات الأدوية ممتنعة عن البيع، وأغلقت أبوابها واحتفظت بالدواء في المخازن إلى حين، وقال (أي زول يقول إن سعر الدواء سينخفض خلال الفترة القادمة فهو كذاب)، وإن ما يقال ويصرح به المسؤولون بعيد كل البعد عن الحقيقة، محذراً من مغبة انعدام أدوية الأمراض النفسية التي يشهدها السوق حالياً، نظراً لأن الأسرة تتأثر مع المريض النفسي، بالتالي فإن عدم توفر الدواء سوف يخلق زعزعة في الاستقرار النفسي للأسرة والمريض الذي سيرجع للنقطة زيرو، الأمر الذي يفاقم الأزمة، وأضاف أن مثل هذه الأدوية من أرخص الأصناف ويجب على الدولة توفيرها .
حلول وهمية:
ودعا إلى الابتعاد عن الحلول الأمنية للأزمات لأنها لا تفيد، مع ضرورة الالتفات إلى حسم الفوضى بالجلوس إلى أصحاب الشركات والمصانع وتذليل الصعاب التي أدت إلى استمرار أزمة الدواء، وعلى السودان أن يدفع ما عليه من التزامات مالية لاستيراد الدواء من الخارج، فيما وصف الصيدلي (ط ـ ف) الحملات التي تقوم بها السلطات بـ (الوهمية) واعتبرها وسيلة عمل من لا عمل لهم، وأنها سوف تنعكس على المريض لأن ذلك مؤشر لإغلاق الصيدليات كافة.
زيادات قادمة:
بدوره أبان د. صيدلي (الطيب عطا المنان)، أن تسعيرة الأدوية الموجودة حالياً في الصيدليات قديمة ومعمول بها حتى اليوم، وهي بحساب السعر السابق للدولار الذي تراوح ما بين الـ(18 ـ 20) جنيهاً، واعتبر بيع الدواء بزيادة عن ذلك مخالفة، وأكد على أن الشركات بعد الزيادة التي طرأت على الدولار خزنت الدواء منذ العام الماضي الأمر الذي ساهم في نفاذ الكميات بالصيدليات، التي قلت مبيعاتها وتضررت كثيراً، وأكد ارتفاع أسعار الدواء خلال الفترة القادمة، خاصة بعد أن تفتح الشركات أبوابها وتخرج المخزون، وهي الفترة التي سوف يرتفع فيها سعر الصرف إلى (35) جنيهاً، بمعنى أن الدواء الذي يباع الآن بـ18 جنيها سوف يرتفع سعره إلى 35 جنيهاً.
تشهير واتهام:
وأكد وجود العديد من المخلفات، ولكنه رفض سياسة التشهير وتوجيه التهم للصيادلة، وأشار إلى خلو أرفف الصيدليات من أدوية (الإسبرين ـ المريتاذ ـ القولياذ ـ أدوية الأمراض العقلية والنفسية ـ الصوديوم ـ الانسولين) وبعض من أدوية الضغط، وطالب الجهات المختصة بضرورة بحث المشكلة مع الشركات والعمل على تزويد الصيدليات بالأدوية بدلاً من الحملة الحالية التي انتقدها بشدة.
ضرورة التعويض:
وأكد رفضهم لأي زيادة قادمة في سعر الدواء وفي حال ذلك يجب تعويضهم عن الخسائر التي تحملوها طوال الفترة الماضية باعتبارهم قاموا بسد الثغرة وبيع كل ما في الأرفف بأسعار قديمة، في ظل غياب الدولة، واتفق د.(هاني نبق) مع الحديث السابق موضحاً أن الشركات احتجبت عن البيع منذ الأول من ديسمبر الماضي وأنهم في انتظار زيادة سعر الصرف، وهذا الأمر انعكس على الصيادلة الذين أصبحوا أمام المستهلك بلا ضمير وجشعين ويتلاعبون في الأسعار، لدرجة أنهم أضحوا غير قادرين على التعامل وأن البلد لا يوجد فيها اسبرين وانعدامه يسبب جلطات للمرضى.
بحوزة تاجر:
وأشار إلى أن إحدى الشركة قامت بتصنيع الدواء وبيعه لأحد التجار خلال الأيام الماضية، وبدوره قام بتخزينه دون مساءلة من أي جهة، بالإضافة إلى أن هناك شركات تضع سعرين للدواء الواحد الذي يحمل نفس التفاصيل والمواصفة، وكل يوم تصدر تسعيرة جديدة وهي سبب الأزمة، وأعطى مثالاً بعلاج (الانسولين) الذي يبلغ سعره في الإمدادات (35) جنيها، بينما تبيعه واحدة من الشركات للصيدليات بـ(103) جنيه، نظراً لأنه لا يوجد فرق في المواصفة أو الجودة، وأضاف أن (90%) من الشركات العاملة بالسوق لا علاقة لهم بالصيدلة، مؤكداً وجود فوضى في تسجيل الصيدليات، وتساءل عن سبب امتناع شركات الأدوية عن البيع؟ لافتاً إلى أن الصيدليات لديها نسبة ربح (20%) من سعر الدواء فقدوها في ظل هذا الوضع.
حالة صعبة:
وللتأكد من معلومة احتجاب الشركات عن العمل توجهنا نحو سوق شركات تجارة وتوزيع الأدوية قطاع السوق العربي بالقرب من عمارة جاد قريب وبالفعل وجدنا أبوابها مغلقة، وعدد من أصحابها يجلسون أمام الأبواب الموصدة رافضين العمل أو مدنا بأي معلومة.. ويذكر أن الساحة تشهد هذه الأيام تنفيذ حملات تفتيشية مكثفة لضبط أسعار الدواء بالصيدليات والتي ينفذها فريق موحد لحماية المستهلك برعاية الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس ويضم مباحث ونيابة المستهلك والأمن الاقتصادي ومباحث حماية المستهلك وإدارة الصيدلة وهيئة الإمدادات الطبية ولاية الخرطوم، وقد تم ضبط 17 صيدلية تبيع سعر الدواء بأعلى من السعر الصادر من مجلس الأدوية والسموم وقد تم اتخاذ إجراءات قانونية في مواجهتهم، وقد تواصلت الحملات لتغطي الفترات المسائية في جميع محليات الولاية.

27 – January – 2018