السودان – تفاوت أسعار الأنسولين مسؤولية من .. ؟

بدأ علي عبد الحليم، مهموماً وهو يحدِّثني عن عظمة المشكلة التي يعانيها مع مرض السكري بقوله: احتاج لأنبولة ونصف من الأنسلوين خلال الشهر، لكن ليست هذه هي المشكلة، المشكلة التي أعانيها أنا ويعانيها كل مرضى السكري أن سعر الدواء غير مستقر ويختلف من صيدلية لأخرى بدون أسباب واضحة، وأشار بكلتَيْ يديه وهو يحمل إيصالات مالية من صيدليتين مختلفتين في ذات المنطقة وذات الشارع لا يفصل بينهما سوى كيلو مترات قليلة، ويضيف: لاحظي أن الفاتورة بها اختلاف كبير فى سعر الدواء، الصيدلية الأولى (48) جنيهاً، في حين سعر ذات الدواء في صيدلية أخرى مجاورة لها يفوق المبلغ الأوَّلي بدرجة كبيرة جداً (84) جنيهاً، أي أن الزيادة تساوي 50%، من سعر ذات الدواء.

الصيدلي حمدي أبو حراز، قال: إن سعر الأنسلوين التابع للإمدادات الطبية يباع بـ(40) جنيهاً، وليس (48) جنيهاً، ولكنه محدود للغاية لجهة أن توفره الإمدادات فقط للصيدليات العامة والصيدليات التابعة للمستشفيات، بيد أنها تمد الصيدليات الخاصة فقط، في حالتين إذا كان الأنسلوين لديها بكميات كبيرة أو أوشك تاريخه على الانتهاء، ذلك لأن الإمدادات الطبية بنفسها تشتري الدواء من الشركة التي رسا عليها عطاء استيراد الدواء، بينما تبيع الشركة بسعر (84) جنيهاً، للصيدليات أو أكثر على حسب تفاوت سعر الدولار في كل طلبية.

الدولة هي السبب

كان نصر الدين مرقس، صاحب صيدلية الأم أكثر شجاعة في تبريره لارتفاع سعر الدواء وتفاوته بقوله: التفاوت في سعر الأنسلوين وغيره من الأدوية أصبح ظاهرة ملحوظة والفضل في ذلك يعود للدولةالتي أوكلت أمر الدواء للسوق الموازي وجعلته يتحكَّم في حياة المواطنين، فبدأ كأنما أن الصيادلة يتلاعبون في سعر الأدوية وكل واحد يبيع بمزاجه للأسف.

الصيادلة مظلومون والسبب المباشر مسؤولية الدولة، في الماضي كان سعر الدواء ثابتاً فيما عدا بعض الولايات الطرفية التي سمح لها المجلس القومي الأدوية والسموم، بإضافة نسبة معيَّنة فوق هامش الربح والمُقدَّرة بـ(20%) لامتياز الترحيل، فيما عدا ذلك كانت الأسعار ثابتة لأن الدولة والبنك المركزي يموِّلان بالنقد الأجنبي، دولار, استرلين, ين ….حسب الشركة المستورة، وبالتالي كان سعر الصرف هو السعر الرسمي للدولة، حالياً تتعامل الدولة مع الدواء وكأنه سلعة من السلع، اسبيرات, خيش, وعربات وغيرها من الأشياء التي لا ترقى لأهمية الدواء، وأن كان الدواء مسألة حياة أو موت ويوازي في قيمته الخبز مع ملاحظة أن للخبز خيارات، بينما تنعدم الخيارات لمريض السكري، لذلك فإن رهن سعر الدواء للسوق الموازي (السوق الأسود) سياسية غير حكيمة، والدولار سوف يرتفع يوم بعد يوم، وسوف يظل الأمر على ماهو عليه حتى تعي الدولة أن أمر الدواء أمر حيوي ومن الذي يحتاج لدواء من المواطنين وأغلبهم من المزارعين والعمال الذين يعملون في بيئة غير صحية والقيمة الغذائية في طعامهم متدنية ويعيشون في مناطق غير صحية، فكيف يستطيع هؤلاء بدخلهم المحدود أن يواكبوا سعر الدواء المتصاعد بدولار السوق الموازي، هذا ظلم سوف نسأل عنه في يومٍ من الأيام.

عجز الإمدادات

وواصل مرقس، حديثه بقوله: ” في سنوات ماضية كانت الإمدادات الطبية توفر أدوية الأمراض المزمنة مجاناً، حالياً الإمدادات الطبية تشتري مثل الشركات، لأن الدولار الذي يوفَّر لها من البنك المركزي لايغطي أدوية الأطفال دون سن الخامسة ناهيك عن أدوية الأمراض المزمنة والكميات التي تستوردها الإمدادات الطبية لا تغطي حاجة المرضى وعدد كبير منهم يأتون للصيدليات يشكون لطوب الأرض وهم يسألون عن الأدوية المجانية، ويبدو أن وزارة الصحة ليس بمقدروها

تنفيذ ما وعدت به مرضى الأمراض المزمنة في توفير الأدوية.

الإمدادات تخلي ساحتها

على حسب حديث سابق لجمال خلف، فإن الإمدادات الطبية تقوم بشراء الأدوية من الوكلاء وشأنها وبقية الصيدليات والوكيل هو الذي يقوم بتسجيل الأدوية في السودان تقوم الإمدادات الطبية بعمل عطاء بقائمة بها حوالي (1300) صنف، من الأدوية، يدخل الوكلاء في تنافس وكل وكيل يقدِّم عرضه ومن يرسو عليه العطاء يقوم بتوريد الأدوية، أما عن الكيفية فإن الشركة أي الوكيل يقدِّم فاتورة مبدئية، ولأنه لايملك الدولار، وقد يصعب عليه توفيره من السوق، الهيئة تقوم بفتح خطاب الاعتماد في بنك السودان وعند وصول الأدوية (الدواء التابع لشركة) يذهب مباشرة لمخازن الهيئة ولذلك سعره أقل لعدم وضع ربح داخلي عليه، بالإضافة لأن الصندوق القومي يشتري كميات كبيرة والوكيل يشتري كميات محدودة، والصندوق يتعاقد مع الوكلاء بدواء لمدة طويلة 2-3 سنوات، ولذلك يقدِّم الوكيل أقل سعر ممكن لكونه لا يضمن الفوز في العطاء في ظل وجود منافسة كل هذه العوامل تساهم في تخفيض أسعار أدوية الإمدادات الطبية.

07 – November – 2017