“البليجكا” من قطرة للعين إلى مخدر مدمر

دخلت سلمى ابنة شارع فيصل بالجيزة إلى صيدلية بالشارع الذى يقع فيه منزلها تطلب من الصيدلي، نقط للعين تسمى “بليچكا”، تحتاج لها بعد أجراء عملية تصحيح إبصار مؤخرًا، فكان رد الدكتور أسامة أنه يحتاج روشته كى يعطيها زجاجة من هذة القطرة، دار جدال طويل بينهما لتنصرف سلمى وتبحث عن صيدلية أخرى لتجد نفس السيناريو باحدى سلاسل الصيدليات الكبرى. 

الروشتة ضائعة لم تكن مبررا للحصول على القطرة، هذا ما وُجهت به والدة الفتاة التي عادت للصيدلية الأولى مرة ثانية تستجدي الصيدلي للحصول النقط حتى تزور عيادة طبيب العيون وتحصل على روشتة حديثة، فأخبرها أنه وجد شاب في العشرينات يتناول هذه النقط عن طريق الأنف، وعلم بعدها أن تركيبة النقط التي تستخدم لتوسيع حدقة العين تستغل كمخدر من قبل بعض المتعاطين. 

متعاطون: بدأت بوضعها بالشاى ثم الأنف 
الأمر لم يحدث مصادفة في بعض الصيدليات لكن أصبح ممنهجا عبر شريحة كبيرة من الشباب، ومنهم “خالد”، شاب عشريني، كان يتعاطى الحشيش حتى تناول قطرة “البليجكا”، يروي لـ”الدستور” قائلا: “أول مرة أجرب القطرة كانت على مقهى شعبي بالمحلة الكبرى منذ عام، عندما شاهدتها مع أحد أصدقائي وهو يضعها في كوب شاي، وشجعني على تجربتها للدخول في حالة مزاجية لم أشعر بها مع أي مخدر أخر”.

بدأ “خالد” بنقطتين من القطرة وضعهما في الشاي وتسببتا في فقدانه للوعي وسعادة كبيرة، وعن أعراضها قال:” تظهر أثارها بعد ربع أو نصف ساعة من التعاطى، واثناء وصولها للدماغ تفقد القدرة على الكلام والحركة وتنسى أي شئ كنت تفكر به وتزيح المزاج السئ نهائيا”.

وتابع: “البليجكا” دفعتهم لارتكاب جرائم من سرقة محال تجارية لسد الإحتياج للمال أو لمجرد إرضاء الشهوة بداخلهم.

تجربة الأصناف الجديدة عادة ما لايقوم بها واحدًا بمفرده فغالبًا مايرشد مجموعة يشاركهم التعاطي، وفي وقت انغماسه في التجربة كان يذهب “خالد” واثنين من اصدقائه لشرائها واحدًا تلو الآخرى بالتناوب حتى لا يرتاب الصيدلي في أمرهم ومع رخص ثمنها _9 جنيهات_ بات من الصعب أن يتحمل فرد نفقات جلسة التعاطي واصبحت بالتشارك. 

مزج “النقط” في مشروب أصبح غير كفايًا، فهو يقلل من مفعوله حتى اقترح أحدهم استخدامها عبر الأنف، وبالفعل تطوع “خالد” لعمل التجربة التى أفقدته الوعي لكن بمجرد عودته لطبيعته مرة أخرى وصف لأقرانه حالة النشوة التي دخل فيها مما شجعهم على التجرع منها بنفس الطريقة، ومن أربعة نقاط إلى عشرة حتى أصبحت زجاجة 15 مللي غير كافية.

وحينما قرر “خالد ” أن يقلع عن التعاطى سرعان ما دخل في حالة من الاكتئاب الشديد، وتعرض أكثر من مرة لضيق في التنفس نتيجة تدمير الجيوب الأنفية لدخول سائل قادر على توسعة مساره، وفي أخر نوبة اضطرت اسرته لاصطحابه للمشفى، وأوضح الطبيب بعد الكشف ووضعه تحت جلسة أكسجين لأكثر من ساعة أن حالته في غاية الخطورة من كمية المخدر الموجودة داخل الجسم، ويجب الإبتعاد عن أي شئ حتى السيجارة لمدة ثلاث أشهر ويفضل قضائهم في مصحة.

“الدستور” تجولت داخل مستشفى للصحة النفسية بشارع فيصل لسماع رأي طبيب مختص في علاج حالات الإدمان، فقالت شيرين عمر اخصائي نفسي، إن هناك أعراض تظهر على مدمني قطرة البليجكا مثل الشلل التام للجسد في مدة تتراوح من 15 إلى 30 دقيقة، وتلعثم اللسان، والقئ، واحمرار في الوجه، والطفح الجلدي ،واضطرابات في القلب ،والهلاوس السمعية والبصرية، فهى تحتوي على سيكلوبينتولات هيدروكلورايد التى تسبب الإدمان.

وعن أعراض الإنسحاب، “مدة انسحاب اعراض البليجكا من الجسم تتراوح بين 10 إلي 15 يوما وهي شبيهه بأعراض الانسحاب من الكحول، وفي هذه المرحلة تظهر على المريض الأعراض الانسحابية، وتبلغ حدتها خلال 48 ساعة من آخر جرعة تعاطي للقطرة ثم تخف تدريجيًا لتتلاشي تمامًا خلال اسبوعين تقريبًا.

شاب أخر، 19 عاما، لم يكن مدخنًا، لكنه يجلس مع اصدقائه في المقهى، وفي احدى الليالى طلب كوب شاي واقترح عليه صديقه وضع نقط القطرة بالشاي،وبالفعل انجرف الشاب لكن سرعان ما دخل في حالة من تشوش الابصار بعد دقائق من تناول الشاى، قائلا: “فقدت الشعور بما يدور من حولي لمدة ساعة لكن يصاحبه شعور بالسعادة، ماجعلني اكرر التجربة أكثر من مرة”.

وتابع: “أحد أصدقائي نصحني بوضع النقط عن طريق الأنف للإندماج في حالة أكثر تخديرا، وللوصول إلى الدماغ أسرع واشترط اشعال سيجارة معها، فكانت القطرة سببا في تدخين السجائر حتى أستمتع بالمزاج الكامل”.

شاب ثالث يحكي تجربة تخزين “القطرة” وبيعها للمتعاطين

استطاعت “الدستور” أن تصل إلى أحد مروجي قطرة “البليجكا” خاصة بعد منع معظم الصيدليات بيعها دون روشتة، وبعد تداول أخبار عنها بين شباب بإستخدامها كمخدر، ويدعى “م.س”، 25عاما، وحكى عن بيع القطرة للشباب بعد تخزين كمية كبيرة منها في بيته فور علمه بأن الصيدليات ستمنع صرفها في القريب.

يقول: “كنت أراقب أصدقائي يترددون على الصيدليات التى ترفض بيعها لهم، فقررت استغل الأزمة، واشترى كمية نحو 300 عبوة وبيعها بضعف ثمنها لتصل لـ20 جنيها موضحا: “الإقبال كان كبير..كنت بكسب دهب”.

النقابة: من الصعب ادراج القطرة في جدول المخدرات

أكد اللواء أحمد عامر مساعد وزير الداخلية لمكافحة المخدرات السابق، أن المواد الجديدة غير المتعارف عليها والتي لم تُدرج بجداول المخدرات الثلاثة، باتت محظورة من القانون وفقًا للمادة 34 مكرر من قانون العقوبات التي تنص على:” يعاقب بالإعدام أو بالإشغال الشاقة المؤبدة وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز خمسمائة ألف جنيه من جلب أو صدر أو صنع جوهرًا تخليقيًا ذات أثر تخديري ” وهذا نص واضح وصريح على أن الصيدلي بعلمه يعرف الأدوية التي من الممكن أن تُحرف ويسآ استخدامها.

أما عن المتعاطي نفسه فأنه لا يفلت من العقاب فإذا ثبت مخالفته تنطبق عليه ذات العقوبة وتتدرج حسب جرمه، لذا يشدد الصيدلي على التعامل بروشتة عند معرفته غرض الاستخدام. 

واستكمل: الصيدلي فور علمه بأن هناك منتج جديد يستخدم كمخدر، عليه إخبار الجهة المختصة في وزارة الصحة التى تخاطب وزارة العدل لادراجه فورًا بجدول المخدرات، كما حدث في الاستروكس فهو منتج متخلق من مجموعة أعشاب، ونجحت الصحة في مخاطبة النواب للاعتراف به كمخدر كالبانجو والحشيش،أما القطرات والأدوية يوزع بها نشرة على الضباط وخاصة دوريات المرور لمعاقبة حاملها في حين مروره على كمين خاصة عن الالتباس في اتزانه النفسي.

التوصيات التي تصدر بخصوص وضع عقار على جدول المخدرات من اختصاص نقابة الصيادلة، وأكد الدكتور أحمد أبو طالب، عضو مجلس النقابة، أن لا يمكن حظر أي دواء وحجبه لمجرد أن تم إساءة استخدامه، وحسب ماذكر أبو طالب أصبحت قائمة المخدرات في مصر هي الأولى عالميًا، فالترامادول في كل دول العالم عقار يؤخذ كمسكن ولم يسأ استخدامه إلا في مصر وتم تضييق اطار تناوله حتى على المرضى لذا لا يضر من هذا الخلل إلا المريض الذي يكون في أمس الحاجة إليه. 

“الجهل هو من يحكم سوق الدواء في مصر” هكذا يصف ” أبو طالب” المنظومة لا سيما القررات التي تؤخذ بخصوص المخدرات، فعدد كبير من الأدوية حرم منه المريض المستحق، ويطرح حلا تنهجه النقابة الآن وهو تنبيه الصيادلة ومنافذ بيع الدواء بحظر بيع أي عقار من الملتّبس في تناوله إلا بروشتة مختومة من طبيب مختص، وبنفس النهج تتعامل النقابة مع جهات التفتيش والضبطية القضائية فتمنحها قائمة طويلة بالأدوية كي تتخذ إجراء مناسب تجاه حاملها وتناولها كمخدر.

7 – April – 2019