الأردن:الأدوية المزيفة تروي حكايات مأساوية

تفاجأ معتصم جهاد المعلم في مدرسة ثانوية أن الدواء الذي كان يتناوله منذ اشهر لعلاج قرحة المعدة ليس سوى دواء مزوّر، ما دفعه إلى فقدان الثقة بجميع الأدوية التي تباع في السوق المحلية.

أما عمرو فما زال يشعر بحزن بعد وفاة والده إثر علاجه بحقن مغشوشة، بسبب جشع طبيب رغب بكسب مزيد من المال واستغل حالة إنسانية بوضعها الحرج، بحسب تعبيره.

عمرو الفرزدق -سوداني الجنسية- استنجد بطبيب لعلاج والده الذي يعاني من مرض السرطان، وبعد إجراء كامل الفحوصات التي كلفت مبلغا مضاعفا عن سعرها الحقيقي كما يروي بأن الطبيب قرر وصف 6 حقن كعلاج كامل للحالة، وضمن لـعمرو شفاء والده بعد مرور جلسات العلاج الست، وبحسب الفرزدق فإن الطبيب الذي يعمل في مستشفى خاص قال له إن الحالة ستتحسن من الثلاث الحقن الأولى، وبعدها سيتم إعطاؤه الثلاث الحقن التي تليها والتي تضمن استعادة عافيته.

فاتورة الطبيب تسلمها عمرو وكانت مفصلة كالتالي: سعر الحقنة الواحدة 1100 دينار، بالإضافة إلى 300 دينار مقابل إعطاء الحقنة الواحدة.

يقول الفرزدق: مرت أيام العلاج وأعطي والدي الحقنة الأولى فالثانية والثالثة ولم يتحسن نهائيا، وبعد إعطائه الحقنة الخامسة توفي، وفسر الطبيب له سبب الوفاة بأنه تفش للسرطان في أنحاء مختلفة من جسمه.

وعقب تحضير والد عمرو لنقله ودفنه في السودان، طلب عمرو من الطبيب إرجاع الحقنة السادسة لعدم حاجته لها، وكان رد الطبيب الرفض.

إصرار عمرو وإلحاحه أجبر الطبيب على إرساله إلى مستودع أدوية لإرجاع الحقنة، فاكتشف الرجل السوداني غش الطبيب له ولوالده المتوفى، وتبين له بأن الحقنة ذات جودة منخفضة وسعرها الحقيقي ستون دينارا فقط .

اتهام أردنيين في الصين ومصر

قصة معتصم وعمرو تعكس حجم حالات غش الادوية في البلاد وآثارها السلبية، حتى إن مروجي هذه الادوية بلغ بهم الجشع إقامة مصانع في الخارج لهذه الغاية، فقد أعلنت مصر أن إدارة التفتيش الصيدلى تمكنت فى محافظتى الغربية والإسكندرية من ضبط مخازن أدوية غير مرخصة تقوم بتجهيز وتعبئة الأدوية المغشوشة لغايات تصديرها للخارج من قبل عصابة يتزعمها أردني، وفي الصين أصدرت محكمه الشعب المتوسطة بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين حكما بالسجن مدى الحياة على أردني وحكما آخر بالسجن لمدة 12 عاما على آخر بعد إدانتهما في قضية تتعلق بغش أنواع من الأدوية وبيعها خارج الصين.

وقالت مصادر صينية في المحكمة إن تلك الأدوية المغشوشة تسببت بوفاة بعض الاشخاص في عدد من دول منطقتي الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإلحاق بالغ الضرر بسمعة المنتجات الصينية.

على الحدود عمليات الضبط مستمرة لأدوية مهربة ومزورة وعديمة الفاعلية، يتم إخفاؤها في حقائب مسافرين ودواليب وفرش السيارات وداخل الحاويات التجارية، لتنافس بدورها الأدوية المصنعة عالميا غالية الثمن ذات العلامات التجارية المسجلة في المؤسسة العامة للغذاء والدواء والمستوردة عبر وكلاء محليين، بحسب المدير السابق للمؤسسة العامة للغذاء والدواء الدكتور محمد الراشدة.

أكد الرواشدة أن العصابات الخاصة ببيع وترويج أدوية الإدمان والأدوية المزورة متهمة بالتواطؤ مع عدد من أصحاب صيدليات.

يضيف أن العقوبات الرادعة في قانون الصحة العامة المعدل أواخر عام 2008 لم تعد كافية لردع المهربين، ويجب تخصيص قضاة للنظر في قضايا الدواء المزور، فضلا عن كثافة الرقابة، ومضاعفة أعداد المفتشين وفترات التفتيش.

ينفق الأردن نحو 34 في المئة من موازنة الصحة على الأدوية التي تصل في القطاع الخاص إلى 45 في المئة، فيما يصل حجم الإنفاق على الأدوية في القطاع العام إلى 25 في المئة.

عقوبات غير كافية

يعاقب القانون بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أو بكلتا العقوبتين، وبغرامة تعادل مثلي قيمة سعر بيع الأدوية المزورة للجمهور، كل من قام بتداول أو استيراد أو إدخال أي دواء مزور للمملكة، بما في ذلك المناطق الحرة والاقتصادية والتنموية الخاصة والعبور بالترانزيت.

لكن يرى مختصون أن تلك العقوبات أصبحت رادعة بعد أن انحسرت حالات الغش، فمثلا أسفرت حملات التفتيش التي قامت بها المؤسسة العامة للغذاء والدواء عن ضبط ما قيمته 16 مليون دينار وكذلك إغلاق نحو 61 صيدلية تبيع أدوية مزورة في عام 2007 من اصل 1800 صيدلة عاملة المملكة، بينما خلال العام الماضي لم يتم إغلاق أكثر من 7 صيدليات، ما يفيد بانحسار الحالة.

الأدوية المزورة في ازدياد

مستودعات أدوية وأخرى للمستلزمات الطبية وصيدليات عديدة بالمملكة تتعامل بالأدوية والمستحضرات المهربة للربح الفاحش الذي يجنى من خلال الاتجار بها.

يقول الصيدلاني رامي السيد الذي يستنكر هذا العمل ويعده محصورا بعدد محدود من الصيدليات إنه في حالات كثيرة يشتري الصيدلي على سبيل المثال علبة دواء لتثبيت شبكية القلب من فئة المهرّب والمزور بخمسة دنانير، مع أن كلفتها على المزوّر لا تتجاوز دينارا واحدا، بحسب تقديرات مسؤولي نقابة الصيادلة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء ومستودعات مستوردي الأدوية، ثم يبيعها بسعر العبوة الأصلية الفعّالة بحوالي سبعين دينارا، ما يحقق له هامش ربح بحدود 1300 في المئة.

في المقابل يشترى الصيدلي، الذي لا يتعامل بالأدوية المهربة والمزوّرة، الدواء نفسه من الوكيل لقاء فواتير نظاميّة وبسعر وتسهيلات تضمن هوامش ربح تتراوح ما بين 30 في المئة و40 في المئة، إضافة لحوافز تشجيعيّة أخرى، علما أن المؤسسة العامة للغذاء والدواء تحدد هامش الربح عن كل علبة دواء ﺒ22 في المئة، كل علبة عليها رقم التشغيلة والتسعيرة مختومة من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، بحسب السيد.

وباستطاعة مفتش الغذاء والدواء معرفة إذا كانت هذه العبوة مسجلة من خلال الدخول على الموقع الإلكترونيّ لمؤسسة الغذاء والدواء عبر إدخال اسم الدواء.

أرقام المضبوطات المعلنة رسميا في الأردن لا تعكس الحجم الحقيقي لقطاع الأدوية المهربة والمزورة، لأنها تستند فقط إلى المضبوطات، ولا تشمل الكميات التي تدخل البلاد بطرق غير شرعيّة ضمن عمليات تهريب عالمية بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية.

وتشير التقديرات الواردة في تقرير أصدره مركز الولايات المتحدة الأمريكية للإعلام للأدوية إلى أنّ قيمة مبيعات الأدوية المزيّفة قد تصل إلى 75 مليار دولار في عام 2010، ما يشكّل ارتفاعاً بنسبة 92 في المئة مقارنة بعام 2005.

أنواع الأدوية المهربة

وتفيد تقارير صادرة عن المنظمة أن أغلب الأدوية المهرّبة والمزوّرة هي لاستعمالات طويلة الأمد لأمراض مزمنة كالقلب والضغط والكولسترول والسكري والالتهابات، لكنها تشمل أيضا فئات الأدوية النفسيّة وأخرى تستعمل في تخفيف الوزن وتثبيت الحمل وتنشيط الجنس ومعالجة السرطان، وتضم أيضا نسب صغيرة من الأدوية الأصلية المهرّبة من دول الجوار؛ كونها أرخص سعرا من تلك التي تباع في السوق المحليّة وتوفر هامش ربح أكبر للصيدليّ.

وليس لتلك المنتجات، في معظم الأحيان، أي فوائد علاجية، بل إنّها قد تتسبّب في ظهور مقاومة ضدّ الأدوية الحقيقية والموت في نهاية المطاف.

وتنتشر الأدوية المغشوشة بصورة أكبر في البلدان التي تقلّ فيها الآليات اللازمة لمراقبة اللوائح الخاصة بالأدوية وإنفاذها، غير أنّ جميع البلدان باتت معنية بتلك المشكلة، ذلك أنّ التقارير الواردة من دوائر الصناعة الصيدلانية تشير بوضوح إلى أنّ الوسائل والقنوات التي يستخدمها منتجو الأدوية المزيّفة أصبحت أكثر تعقيداً، ما يزيد من صعوبة الكشف عنها.

أسعار الأدوية في الأردن الأعلى مقارنة بدول الجوار

أجمع المشاركون في اجتماع منظمات المجتمع المدني من أجل الصحة والدواء على ارتفاع أسعار الأدوية في الأردن مقارنة مع دول الجوار وارتفاع حجم الإنفاق على الدواء في الأردن مقارنة مع الدول الأخرى، إضافة إلى عدم حصول بعض المرضى على حاجتهم من الأدوية والهدر والخلل في سلسلة وصول الأدوية وتوزيعها وتخزينها.

وأكد المشاركون أن أسعار الأدوية في السوق المحلية لا تعكس سعرها الحقيقي، فهناك أحيانا كميات من الأدوية تعطى لبعض المستوردين والصيادلة تساوي الكميات المتعاقد عليها.

كما أشاروا إلى أن بعض الأطباء يوصفون أدوية مرتفعة السعر رغم وجود أدوية بديلة بفعاليتها، عازيا ذلك إلى الطبيب أحيانا وطلب المريض الذي لا يمتلك المعرفة الكافية في أوقات أخرى.

ووردت علامات استفهام كبيرة خلال النقاش حول عدم الاعتماد على الأدوية البديلة التي سعرها أقل من الأصلية وفعاليتها عالية، وتشكل الصناعة المحلية من حيث القيمة المالية حوالي 28 في المئة من الادوية المستهلكة في السوق المحلية والبقية من الأدوية المستوردة، فيما تشكل 54 في المئة من حجم الكميات المستهلكة محليا.

أربع نقابات عربية تتصدى لحرب أدوية «إسرائيل» المزورة

أكدت أربع نقابات صيدلة عربية (الاردن، سوريا، لبنان، العراق) أنها اتفقت على توحيد جهودها لمكافحة الأدوية المزورة والمهربة التي تغزو الأسواق العربية، عقب اجتماع عقد في لبنان تناول «الأدوية المزورة وآلية التخلص منها» برعاية اتحاد الصيادلة العرب.

وقال صيادلة مراقبون إن أهدافا تجارية تقف وراء الحديث عن الادوية المزورة والمهربة، وبالعودة للاجتماع فقد تم بحث إمكانية التعاون بين الدول لوقف عملية التهريب بين هذه الدول، خصوصا أن هذه الدول هي من أكثر الدول تضررا من تزوير وتهريب الأدوية.

وقال نقيب الصيادلة الدكتور محمد عبابنة إن «الكيان الصهيوني» من بين الدول العشرة التي تقوم بتصنيع الأدوية المزورة وتهريبها، ونتيجة لقرب هذا الكيان من منطقتنا فإن هذه الجهود التنسيقية تكتسي أهمية بالغة لمحاربة هذه الظاهرة التي تمس صحة وسلامة الإنسان، علما أن الأدوية المزورة موجودة في كافة دول العالم.

وكان رئيس اتحاد الصيادلة العرب أديب شنن قال إن الدواء المزور غالبا ما يأتي من «إسرائيل» وهي الدولة التي تحاول أن تفتك بالدول المجاورة عن طريق إرسال المواد المخدرة التي تهدم البنية الأساسية للشعوب وهي الشباب. معتبرا ان الصيدلي هو الضمان الناجح دوما في عدم شراء الأدوية إلا من الصيدليات المرخصة، والابتعاد عن طريق تجار المراكز الخفية.

10 في المئة من تجارة الأدوية مزيّفة

يعد تزييف الأدوية ظاهرة منتشرة في جميع البلدان، وهي تمثّل 10 في المئة من تجارة الأدوية على الصعيد العالمي، وتدفع الأدوية المزيّفة المرضى، نظراً لما يتسّم به منتجوها من قدرة فائقة على الخداع، إلى الاعتقاد بأنّهم يتعاطون أدوية لها القدرة على شفائهم، مع أنّها قد تزيد من مرضهم أو تودي بحياتهم في بعض الأحيان.

قال هوارد تسوكر، المدير العام المساعد لشؤون التكنولوجيا الصحية والمستحضرات الصيدلانية بمنظمة الصحة العالمية: «إنّ حمل حقيبة يدوية مزيّفة أو ارتداء قميص داخلي مزيّف لا يعرّض حياة المرء للخطر، غير أنّ المرء قد يهلك إذا ما تعاطى دواءً مزيّفاً. وبناء عليه، ينبغي أن تكون الإجراءات التي تتخذها الشرطة على الصعيد الدولي ضدّ مصانع الأدوية المزيّفة وشبكات توزيعها بالصرامة ذاتها التي يواجه بها مهرّبو المخدرات».

وأضاف الدكتور تسوكر قائلاً: «لا بد من تكثيف هذه التدابير. كما ينبغي للبلدان التفكير في سُبل إدخال التعديلات التكنولوجية والتشريعية والمالية اللازمة بأسرع وقت ممكن، لضمان توفر أدوية أساسية ذات نوعية مضمونة. وتدخل الأدوية المزيّفة ضمن ظاهرة أوسع نطاقاً تتمثّل في المستحضرات الصيدلانية المتدنية النوعية. والفرق الوحيد هو أنّ تضليل بيان مصدرها يتم عمداً».

وليس لتلك المنتجات، في معظم الأحيان أي فوائد علاجية، بل إنّها قد تتسبّب في ظهور مقاومة ضدّ الأدوية الحقيقية والموت في نهاية المطاف.