أدوية البرد.. “بدائل الكيف” للمدمنين.. “الصيادلة” تطالب بتعديل جداول المخدرات.. 7 ملايين مواطن يسيئون استخدام العقاقير.. و”الإحصاء”: 20% من الطلاب يحصلون على “المزاج” بالمدرسة

وفقًا للقانون هناك ٦ جداول يتم تقسيم الأدوية والعقاقير الطبية المختلفة بها، الجدول الأول منها يضم الأدوية المخدرة التى تؤثر على الصحة النفسية ويحظر تداولها إلا من خلال روشتات طبية ولا تؤخذ إلا تحت إشراف الطبيب المعالج ووفق قواعد محددة.
أدوية الجدول الأول تصرف بموجب تذكرة طبية مدموغة يدون بها اسم المريض، وعنوانه، ورقم بطاقته ولا تصرف بعد مضى خمسة أيام من تاريخ تحريرها.
ويجب على المريض الذى يعالج بأدوية الجدول الأول أن يقدم التذكرة الطبية، وأن يملأ نموذجًا معينًا للصرف، بعد التأكد من صحة الروشة التى لابد أن تكون مكتوبة بواسطة أخصائى أو استشارى مختص بالحالة المرضية، وفى تلك الحالة يتم تسجيل بيع الدواء وصرفه فى سجلات الصيدلية، ويفرض القانون العقوبات على أى صيدلية تخالف تلك التعليمات وبنود إجراءات الصرف حيث تصل إلى محاكمة الصيدلى بالإتجار فى المخدرات.
ويتضمن الجدول الأول كل المخدرات المعروفة علميًا، لكنه يتجاهل عددًا من العقاقير والأدوية التى يستخدمها عدد غير قليل من الشباب كبدائل لـ«الكيف»
حكايات مدمن لأدوية البرد
 
«سيد. م»، يبلغ من العمر ٣٥ عامًا، يروى حكايته مع تعاطى الأدوية فيقول: «المشاكل التى أتعرض لها دائمًا تجعلنى أرغب فى النسيان ولهذا كنت أبحث عن العقاقير وأدوية المخدرات بصورة مستمرة.
ويضيف أنه بدأ فى تناول السجائر حينما كان عمره لا يتجاوز ١٣ عامًا، ولكن بمرور الوقت بدأ يتعرف على المخدرات من خلال رفاق السوء الذين أخبروه بأمان الحصول عليها، إلا أنه بسبب الظروف المالية الصعبة وصعوبة الحصول على «مخدر الحشيش» لارتفاع سعره فى السوق بدأ يتجه إلى تعاطى أدوية الكحة بصورة مستمرة ثم تركها ولجأ إلى الترامادول وهو ما كان يحقق بصورة أو بأخرى حالة من النشوة كان يبحث عنها دائمًا.
وتابع: بمرور الوقت وتغير الظروف بدأت المشاكل بينه وبين والدته وإخوته بسبب الرغبة المستمرة فى الحصول على المخدر ونفاد الأموال التى لديه، وعلى الرغم من محاولاته للحصول على الأموال بأى طريقة من أجل تعاطى الأدوية المخدرة لم يستطع أن يساير تلك الأوضاع، لاسيما مع المشاكل المستمرة مع زوجته حيث كان يبيع الممتلكات الخاصة بالمنزل من أجل توفير تكاليف التعاطي، مشيرًا إلى أنه استمر ٤ أعوام كاملة لا ينجب بعد الزواج، وحينما ذهب للطبيب أخبره بأنه لابد من أن يكف عن تعاطى الأدوية بصورة عشوائية لأن لها عاملًا كبيرًا فى تأخر عملية الإنجاب، ومن هنا بدأ طريق التخلص من التعاطى للأدوية وللمخدرات عمومًا وطلب العلاج من التعاطي.
وفى نفس السياق يقول «ت.ي»، ٣٩ عامًا، أحد متعاطى المخدرات، والذى بدأ الإدمان منذ سن صغيرة حيث بدأ التعاطى منذ ١٥ عامًا قائلًا: «ضيعت كل حاجة بسبب الإدمان».
ولفت إلى أنه بدأ إدمان الحشيش بسبب البيئة التى كان يعيش فيها حيث كان يرى أقاربه يتعاطون الحشيش، فقرر أن يقوم بالتجربة، متابعًا أنه بعد ذلك بدأ فى الاتجاه إلى الصيدليات من أجل الحصول على «حبوب الهلوسة» من خلال تعاطى المادة الفعالة الموجودة داخل الأدوية الكيميائية بشتى أنواعها، والتى كان من السهل الحصول عليها من الصيدليات وبدون روشتة علاجية.
وأضاف: «تحولت حياتى إلى جحيم وخسرت كل الناس التى أعرفها بسبب تصرفاتى حيث كان كل همى هو الحصول على المادة المخدرة بأى وسيلة بصرف النظر عن العواقب التى قد تحدث»، وهو ما جعله يشعر أنه يعيش فى طريق واحد متكرر على مدار سنوات طويلة فكلما زاد به العمر كلما ارتفعت نسبة الخسائر فى حياته.
إحصاءات وأرقام
 
قصة الشابين ليستا الوحيدتين، التى تشير إلى اتجاه المدمنين إلى تعاطى الأدوية كجزء من الأدمان، حيث تشير الإحصاءات والأرقام إلى انتشار استخدام الأدوية من المدمنين داخل مصر خلال العقود الماضية، وهناك العديد من الدراسات التى صدرت على المستوى العالمى وليس على مستوى مصر فحسب؛ فوفق دراسات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان تؤكد دراسة أن نسبة إساءة استخدام العقاقير الطبية فى المرتبة الأولى وصل إلى ٧.٧٪ بما يعادل ٧ ملايين مواطن يسيئون استخدام تلك العقاقير، بينما نسبة تعاطى المواد المخدرة ٤.٨٪، بينما نسبة التعاطى المنتظم للمخدرات ١.٨٪.
حينما تدخل إلى صيدلية لطلب أدوية البرد المختلفة فالأمر لا يحتاج هنا إلى روشتة طبية تقدمها إلى الصيدلي، وينتهى بهذا الأمر بالنسبة للمريض، ولكن الحكاية تكون قد بدأت لتوها بالنسبة للبعض الآخر من الأشخاص الذين يذهبون إلى الصيدلية لغرض الحصول على تلك الأدوية وتعاطيها للحصول على أكبر صورة من النشوة بسهولة.. فما سر هذا؟ الأمر لا يوجد به سر هنا فهذه الأدوية تحتوى على مركبات مؤثرة على الجهاز العصبى ما يجعل الإكثار من تناولها بجرعات مرتفعة يؤدى إلى حالة من الخدر والشعور بالنشوة والتى تكون آثارها وأضرارها قاتلة فيما بعد.
ولا يقف الأمر عند أدوية البرد فحسب بل يلجأ هؤلاء إلى العديد من الأدوية الأخرى التى يجد المتعاطون فرصتهم فى تناولها من شتى الفئات والطبقات الاجتماعية، ولعل ما يؤكد هذا هو ما أكده المسح الصحى للإدمان بين طلاب المدارس الذى أجرى على ١٠ آلاف و٦٤٨ طالبًا وطالبة من المدارس الثانوية العامة والفنية والأزهرية والعسكرية تتراوح أعمارهم بين ١٤ و١٧ عامًا على مستوى الجمهورية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.
وأثبت المسح بأن ٢٠٪ من الطلاب فى المدارس يحصلون على المخدرات من المدرسة وما حولها مثل النوادى والصيدليات والمقاهى، وهذا بحسب الدكتورة منى عبدالمقصود رئيس أمانة الصحة النفسية.
ويحتل الترامادول، رغم كل المحاذير المفروضة عليه، المركز الأول بين المتعاطين بنسبة ٣٠٪ بينما يأتى الحشيش فى المرتبة الثانية بنسبة ٢٣٪ والمفاجأة كانت فى ارتفاع نسب المدمنين من الإناث. والترامادول دواء مخدر فى الأصل يستخدم كمسكن قوى للآلام وخصوصا لمرضى السرطان، إلا أنه فى الأصل أصبح شائع الاستخدام.
ثغرات فى مواجهة الإدمان
 
يقول الدكتور على عبدالله، رئيس المركز المصرى للدراسات الدوائية ومكافحة الإدمان، إن قانون الدواء صدر منذ عام ١٩٥٥ وعلى الرغم من وقوع العديد من التعديلات والإضافات إلا أن القانون الأساسى للأسف كما هو لم يتغير حتى الوقت الحالي، وهو ما كان له دور فى مشكلة استغلال الدواء فى مصر من قبل كل من المريض والجهات الدوائية فى الوقت نفسه.
وأوضح أن المشكلة تتعلق بالأدوية غير المدرجة فى الجدول الأول، وإنما توجد فى الجدول الثانى أو الثالث حيث إن تلك الأنواع من الأدوية لا تتطلب سوى روشتة لصرفها، أو قد تكون غير مدرجة فى جداول المخدرات من الأصل، وهنا لا يحتاج المستهلك الوافد إلى الصيدلية إلى روشتة وإنما قد يقاضى الصيدلى حال عدم صرفه الدواء على الرغم من توفره، بموجب محضر منع بيع دواء، حيث إن تلك الأنواع من الأدوية لا تتطلب روشتة ويجوز صرفها للسائل فى مصر، وهو ما يشكل خطورة، لاسيما مع إمكانية إساءة الكثير من تلك الأدوية لكونها من الأدوية التى تؤثر فى الحالة النفسية أيضًا.
وأوضح أن هناك الكثير من الأدوية التى يمكن صرفها دون روشتة رغم إمكانية استغلالها بصورة سيئة، ورغم اتجاه دول العالم إلى إدراجها ضمن الأدوية التى يجب الحذر فى التعامل معها أو فى صرفها مثل عقار «الليركا» الذى أثبتت الدراسات إساءة استخدامه، والذى يعتبر علاجًا لآلام الأعصاب ونوبات الصرع الجزئية والقلق، وهو من الأدوية النفسية التى تضاف إلى قائمة أدوية نفسية أخرى يساء استخدامها مثل الكلوزابكس والكوجينتول وزانكس وليكزتانيل والزولام.
واستطرد أن هناك نوعًا من الأدوية مثل قطرة ميدرابيد «وهى قطرة لتوسيع حدقة العين تستخدم عند الذهاب إلى طبيب العيون وعند إجراء العمليات الجراحية ويساء استخدامها من خلال الحقن فى الوريد، مؤكدًا أن كل تلك الأدوية خطيرة جدًا، لاسيما أنها تكون غير معدة للتناول كمخدر، فنجد على سبيل المثال أن قطرات مثل ميدرابيد تسببت فى وقوع الكثير من الضحايا بسبب الجرعة الزائدة للمخدر فى الجسم، مما يؤدى إلى الوفاة بصورة فورية وكل هذا للبحث عن أى أثر للمخدر يعطى شعورًا بالنشوة والسعادة.
وأضاف فى تلك الحالة نعتمد على ضمير الصيدلى فى تعامله مع السائلين عن تلك الأدوية ولماذا اختارها الشخص بالتحديد عن غيرها من البدائل، لافتًا إلى أنه بالرغم من ذلك فمن الضرورى أن يتم إدراج جميع تلك الأدوية ضمن جداول المخدرات؛ لأن هذا يقلل من فرصة بيع أى أدوية، وهو ما يمنع بدوره إساءة استغلالها فى الإدمان كما يمكن أن يحدث داخل الصيدليات المختلفة.
ولفت إلى أن هناك مشكلة عامة تتعلق بوجود الكثير من الأدوية غير المدرجة فى الجدول الأول للمخدرات مما يفتح الباب لاستغلال تلك الأدوية، فمن المعروف وجود ما يصل إلى ١٠٦٠ مخزن أدوية مرخصة بجانب الكثير من المخازن غير المرخصة، والتى يصل عددها إلى حوالى ١٠ آلاف مخزن، وجميع تلك المخازن توزع الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية غير المدرجة بالجدول الأول للمخدرات وهو ما يفتح الباب أمام تسريب الأدوية للمستهلك بصورة غير مقننة، بينما إذا ما تم إدراج تلك الأدوية فى جدول المخدرات الأول فهذا سيعمل على تقنين التداول بصورة كبيرة؛ لأنه فى تلك الحالة سيكون المسئول الأول والأخير عن إنتاج وتوزيع الدواء هو الشركة المصرية لتجارة الأدوية التى تعد مسئولة عن أدوية الجدول الأول من المخدرات، وفور وصول تلك الأدوية إلى الصيدلية يتم تسجيلها بدفتر المخدرات داخل الصيدلية والصيدلى مطالب بملء الدفتر عند صرف الدواء.
ومن جانبه يقول إيهاب الخراط، استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان وصاحب مراكز بيوت الحرية للتأهيل الاجتماعى والنفسي، أن الواقع هو أن إساءة استخدام الأدوية كبديل للمخدرات أمر أصبح منتشرًا خلال الأعوام الماضية على مستوى العالم بالرغم من خطورة تلك الأدوية وتسببها فى الكثير من حالات الوفاة بسبب إساءة الاستخدام ورغبة المستهلك فى الحصول على النشوة الكاذبة.
وطالب الخراط بتفعيل دور الجهات التنفيذية والتشريعية داخل الدولة لمواجهة استخدام تلك الأدوية بصورة كبيرة، من خلال وضع الأدوية الخطيرة التى يمكن استخدامها فى الإدمان فى جدول «أول مخدرات» كما حدث مع الترامادول، كقطرة الميدرابيد التى تعد من أخطر الأنواع، مشيرًا إلى وفاة العشرات خلال العام الماضى بسبب تعاطى «القطرة» ما يؤدى إلى أعراض خطيرة تتمثل فى انخفاض حاد فى ضربات القلب ومن ثم الوفاة الفورية أو الإصابة بالشلل، لافتًا إلى أنه لم تجر بعد دراسات كاملة حول استغلال تلك القطرة كمخدر، ولكن برغم هذا فيمكن الاستنتاج أنها تغير من قلوية الدم وتسبب الوفاة بعد سلسلة من التفاعلات الداخلية الخطيرة بالجسم.
ولفت الخراط إلى وجود العديد من الأدوية الأخرى مثل مضادات الشلل الرعاش كالباركينول والاكتينيول، لافتًا إلى أن هذه الأدوية من النوع الذى لا يمكن الاستغناء عنه كما أنه من الصعوبة أن يتم تحويله إلى جدول أول مخدرات لأن هذا يعنى مزيدًا من الصعوبات أمام المرضى الذين يحتاجون تلك الأدوية بصورة عاجلة، بينما يعتبرها المدمنون من الأدوية الشعبية والرخيصة التى يمكنهم الحصول عليها بسهولة ويطلق عليها مصطلح «أدوية الصراصير».
وفى هذا السياق يضيف الدكتور عصام عبدالحميد، وكيل نقابة الصيادلة ورئيس لجنة محاربة الأدوية غير المرخصة، إن استخدام أدوية البرد أو أدوية المسكنات فى الحصول على المخدر أمر خطير وله تأثيرات جانبية هائلة فعلى سبيل المثال هناك أدوية برد بمجرد تناولها تعمل على رفع الضغط كما أن المسكنات تعمل على زيادة معدل السكر فى الجسم.
وأشار إلى أن نقابة الصيادلة طالبت وزارة الصحة بوضع محاذير على صرف الأدوية التى يمكن إساءة استخدامها كالليركا والأدوية النفسية والعصبية مثل البيرجلابين، ولكن لم يتم حظرها أو وضعها فى الجداول بعد.
ولفت عبدالحميد إلى صعوبة السيطرة على جميع الصيدليات فى مسألة صرف الروشتة، لاسيما داخل القرى والنجوع، فالمريض قد لا يكون لديه المال الكافى للذهاب إلى الطبيب المعالج، وقد يلجأ إلى الصيدلية مباشرة وهو ما تراعيه الصيدلية، ويعتمد الأمر هنا على ضمير الصيدلى ونظرته للمريض.
وأكد على أن الدور يقع على عاتق وزارة الصحة التى عليها إدارة ومتابعة الأمر.
الدكتور صبرى الطويلة، رئيس لجنة الحق فى الدواء وصناعة الدواء بنقابة الصيادلة، يضيف أن حظر الأدوية أو تقليلها أو إضافتها إلى جدول مخدرات الدرجة الأولى ليس حلًا للمشكلة وإنما له تأثيرات سلبية عديدة، لاسيما مع أهمية تلك الأدوية بالنسبة للمرضى فى مصر، ضاربًا مثالًا بالترامادول الذى يستخدم كمسكن لمرضى السرطان وبعد أن قننت وزارة الصحة وجوده بالصيدليات ظهر داخل السوق الموازى بكميات كبيرة وهو السوق الذى يصنعه فى تحت بير السلم فى مصر.
ولفت إلى أن تحويل الأدوية إلى «جدول أول مخدرات» سيعمل على انتشار تلك الأدوية فى السوق السوداء كما حدث مع الترامادول، فالقاعدة تقول إن زيادة استخدام الأدوية يؤثر على الجسم والكلى والمعدة وله تأثير على العقل أيضًا.
وأوضح الطويلة أن القضية لا تختزل فى الصيدلى وإنما على قوانين الدولة التى يجب إعادة صياغتها لتحقيق المرجو منها بإبعاد المتعاطين عن الاستخدام السييء للأدوية والحفاظ على المنافذ الطبيعية لصرف الدواء ويمكن هذا من خلال تفعيل دور جميع الجهات الطبية فى الدولة لكى يتم الاتفاق على ضوابط لتفعيل الرقابة على تلك الأدوية وعلى تداولها على حد قوله.
وتابع: القوانين يجب إعادة صياغتها والنظر فى كل الأصناف ويجب تقديم الوعى التثقيفى من خلال وسائل الاعلام المختلفة التى عليها أن تنبه المجتمع بخطورة الإدمان وخطورة التعاطى من خلال الاعتماد على الأدوية.
23 – April – 2018