أخطاء يتسبب فيها الباعة في غياب الصيادلة

صرف أدوية للخصوبة بدل منع الحمل وأخرى للإبتلاع بدل الإستنشاق!

يشكو الكثير من المواطنين من الأخطاء التي يرتكبها بعض باعة الأدوية على مستوى الصيدليات لدى اطلاعهم على الوصفات الطبية. وما بالك اذا تعلق الأمر ببيع أدوية تستعمل للتطبيب الذاتي والتي تتجاوز علاج الصداع والزكام، لتشمل أحيانا أدوية حساسة أو خطيرة مثل أنواع ال”كورتيكويد” والمضادات الحيوية وحتى أدوية أمراض القلب والضغط الدموي دون المطالبة بوصفات طبية.

الأخطاء المسجلة لا تتعلق بالخلط أحيانا بين أسماء الأدوية بل أيضا تصنيفها وضبط المقادير والجرعات ومواعيد وكيفية تناولها أو استعمالها… تفاصيل من المفروض أن يوضحها الطبيب المعالج في الوصفة إستناد للوضعية الصحية للمريض وسنه ووزنه… الخ. وبالرغم من الشكاوى والاحتجاجات التي تبقى في معظم الحالات في نطاق ضيق وغير رسمي يواصل العديد من أصحاب الصيدليات الحاملين لشهادات جامعية في التخصص والمعتمدين، توظيف أشخاص لا علاقة لهم بالصيدلة والأدوية في عملية البيع، ويكتفون بزيارات سريعة من حين لآخر لمراقبة سير العمل والاطمئنان على المداخيل وقد يطول غيابهم لشهور… يمكن للمتجول عبر أحياء ولاية قسنطينة أن يصادف من حين لآخر ورقة معلقة في مدخل إحدى الصيدليات تتضمن إعلان توظيف بائع أو بائعة للأدوية وكأن الأمر يتعلق بالبحث عن بائع ملابس أو أحذية! وشكل مؤخرا صاحب صيدلية بوسط المدينة استثناء ملفتا بتعديله للاعلان مرتين… الأولى للإشارة إلى أن البائع المطلوب يجب أن يتمتع بمستوى جامعي، وفي المرة الثانية أوضح بأن البائع يجب أن يكون قد تابع دراسته في إحدى التخصصات الطبية دون تحديدها، وبقي الاعلان معلقا طيلة ثلاثة أشهر تقريبا، وكأن صاحبه لم يجد ضالته أو نسيه!.
وأكد لنا صيدلي شاب بأنه يفضل استثمار خبرة مساعده رغم أنه لا يحمل شهادة في التخصص، لكنه عمل كبائع ومحضر للأدوية طيلة ربع قرن، بدل توظيف باعة جامعين وتكوينهم وتدريبهم وتحمل عواقب أخطائهم المحتملة.
أخطاء وشكاوى
قالت سيدة شابة: “ذهبت إلى صيدلي بالخروب ومعي وصفة طبية صادرة عن طبيبة متخصصة بأمراض النساء والتوليد، وتنفست الصعداء لأن البائع قال لي أن كافة الأدوية متوفرة، وعندما حان موعد تناولها، قررت أن أخصص بعض الوقت لقراءة النشرات المرفقة بها كعادتي لأتعرف على مفعولها وآثارها الجانبية المحتملة وبدأت بالدواء الذي قال لي البائع أنه مخصص لمنع الحمل ولم يسبق لي وأن تناولته… فاذا بي اكتشف أنه في الواقع يزيد الخصوبة ويسرع الحمل بدل منعه… لحسن الحظ أنني أدركت خطأ أو جهل هذا البائع في الوقت المناسب وهرعت لأنبهه حتى لا يسقط ضحايا أخريات!”.
وقال أبو لينا بأنه اشترى من إحدى صيدليات نهج العربي بلمهيدي بوسط قسنطينة شرابا (سيرو) مضادا للسعال، بعد أن شرح للبائع بأنه سيعالج به ابنته الرضيعة ذات الستة أشهر من العمر… لكنه لاحظ بأنه كلما قدم جرعة للصغيرة تنتابها نوبة بكاء وضيق تنفس وشحوب مريب… وعندما تفاقمت الأعراض نقلها إلى المستشفى، فنبهه الطبيب بأن الشراب مخصص للكبار ووصف لها العلاج المناسب. وكاد أحد المواطنين أن يضرب صيدليا، لأن مساعده باعه دواء منتهى الصلاحية ولم يتفطن لذلك إلا بعد أسبوع من شروع ابنه المصاب بالربو في تناوله. ولم تتفطن سيدة في العقد الخامس من عمرها الى أن الأقراص التي وصفها لها الطبيب لعلاج التهاب حاد في القصبات الهوائية إلى جانب مجموعة أخرى من الأدوية، يجب أن تذاب داخل إناء من الماء الساخن وتستنشق البخار للتخفف من أعراض مرضها… إلا بعد أن قرأت حفيدتها صدفة النشرة المرفقة بالأقراص… وذلك بعد مرور ثلاثة أيام من شرائها واستهلاكها عن طريق الفم بدل استنشاقها! فالصيدلي اكتفى بالإشارة إلى استعمال قرص واحد قبل النوم وفقط!.. أما فتاة مراهقة، فقد وضعت لها إحدى صديقاتها دواء أكدت لها أنه سينقذها تماما من مشكلتها الأساسية وهي النحول الشديد، فاشترته من صيدلية الحي، وبالفعل، شعرت بتغييرات في جسمها وأعراض زيادة في الوزن هي في الواقع انتفاخ مرفوق بوعكات صحية مختلفة تتفاقم بمرور الوقت، مما جعل والدتها تصر على اصطحابها إلى الطبيب الذي ضرب كفا بكف عندما فحصها وسألها عن الدواء الذي تتناوله… فهي ضحية الأعراض والآثار الجانبية لنوع من “الكورتيكويدات” مفعوله جد قوي دون أن ينبهها الصيدلي لخطورته، فهو مخصص لعلاج الربو والحساسي
وبعض الالتهابات الحادة والخطيرة والسرطان ومن المفروض ألا يباع إلا بوصفة طبية، ولا يتم تناوله إلا لمدة قصيرة يحددها الطبيب المعالج لضحايا الاصابات المذكورة مع ضرورة الالتزام بحمية منقوصة الملح. وشرح لنا أحد الصيادلة بحي قدور بومدوس بأن الكثير من الفتيات والسيدات النحيلات يتهافتن على تناول أدوية زيادة الوزن و”الكورتيكويد” دون استشارة المتخصصين، مؤكدا بأنه ينبه من يقصده لمخاطرها، لكنه لا ينجح دائما في اقناعهن. كما شدد على تفاقم ظاهرة “التطبيب الذاتي”، دون أن يشير إلى تسهيله من طرف الصيادلة بعدم مطالبة المواطنين بالوصفات الطبية حتى وإن تعلق الأمر ببيع أدوية لعلاج الأمراض المزمنة، الحساسة أو الخطيرة.
انتشار الصيدليات العائلية
“الصيدلي ليس منزها عن ارتكاب بعض الأخطاء البشرية العادية لكن يجب ألا يتحملها لوحده.. فأحيانا يورطه فيها الطبيب بإصدار وصفة تكاد تكون مشفرة!، ومن الصعب على الصيدلي خاصة إذا كان لا يملك خبرة طويلة، أن يفك طلاسم الخط الذي كتبت به” قال صيدلي بحي المنظر الجميل، مضيفا بأنه يضطر أحيانا إلى مطالبة المريض بالعودة إلى طبيبه لتوضيح اسم الدواء أو تحديد الجرعات، بعد استشارة زملائه.
وقال من جهته الدكتور كمال بغلول رئيس المجلس الجهوي لأخلاقيات الصيادلة بأن غياب معظم الصيادلة المتعمدين والمؤهلين عن صيدلياتهم نظرا لاقامتهم بعيدا عن الولاية التي من المفروض أن يعملوا بها، وحتى خارج الوطن في بعض الحالات، وتوظيفهم في أحيان كثيرة لأشخاص لا يحملون شهادات في التخصص ولا علاقة لهم بالأدوية ، يفسر تزايد الأخطاء التي يرتبكها هؤلاء لدى بيع الأدوية ويتحمل نتائجها المواطنون.
الدكتور بغلول شرح بأن انتشار “الصيدليات العائلية” زاد من تفاقم الظاهرة، فلا يمر صاحب الصيدلية الأصلي الحامل للديبلوم الجامعي والرخصة والاعتماد إلا نادرا للإطمئنان على سير عمل كلف به إخوته أو أبنائه وأقاربه بعد اخضاعهم “لتكوين داخلي” عائلي. وأضاف بأن مايزيد الطين بلة، توقف تكوين تقنيين في الصحة مؤهلين لبيع الأدوية ودعم نشاط الصيادلة ذوي الشهادات الجامعية، منذ السبعينات أو بداية الثمانينات في مختلف أنحاء الوطن، باستثناء بجاية التي لاتزال تكون هذه الفئة من شبه الطبيين. موضحا بأن نشاط بيع الأدوية كان يقوم منذ فجر الاستقلال شبه طبيين يحملون شهادات كمساعدي محضري أدوية صيدلانية، دعموها بالخبرة، والتكوين المستمر، فارتقى بعضهم إلى مناصب رؤساء وكالات صيدلانية.. وتخرجت عدة دفعات في هذا القطاع إلى غاية توقيف التكوين رغم أهميته. ويرى بأن إقبال خريجي معهد الصيدلة على توظيف أقاربهم لدى فتح صيدلياتهم الخاصة ساهم في غض النظر علىحملهم لديبلومات وتأهيلهم وتأسف الآن الكثير من المواطنين لا يعرفون شيئا عن مجلس أخلاقيات الصيادلة وما بالك بأهدافه، لهذا لم يتلق طيلة سنة كاملة سوى شكوى واحدة من مواطن سلمه صيدلي خطأ دواء منتهي الصلاحية، فاقترح على مديرية الصحة غلق صيدليته 10 أيام.
موضحا بأن المجلس يمكن أن يراقب وينبه ويقترح ويوبخ الصيادلة المخطئين لكن ليس من صلاحياته معاقبتهم عكس الجهات المؤهلة لذلك هي مديرية الصحة والعدالة. ودعا إلى الاهتمام أكثر لتفتيش والرقابة من أجل تطهير القطاع ووضع حد للتجاوزات.

Leave a Reply